حكاية فتحت لي الآفاق

سبب اختياري موضوع “العلاقات بين الناس”

وفكرة كتابي الذي نتج عن الموضوع “كيف نتقبل الناس ونتجنب إيذاءهم”

سناء طبيبة تعمل في مستشفى الجامعة، كانت تظن نفسها إنسانة رائعة، محترمة، محبوبة، ناجحة في عملها ومتميزة في أخلاقها وتعاملها، وخصالها كلها حميدة وسامية؛ فهي لا تسيء لإنسان ولم تؤذِ أحداً قط، وتمتلك صفات عظيمة كثيرة.
هكذا كانت تُقوّم نفسها، لأنها ترى نفسها من داخلها وبعينيها هي. ولم تكن سناء -من أجل ذلك- لتعلم حقيقة شخصيتها، ولم تكن تراقب أبداً رد فعل مَن حولها على سلوكها معهم، بل كانت، فوق ما سبق، على يقين من أنها متفضلة على الناس لأنها تقدم لهم الخدمات الإنسانية مع الخدمات الطبيَّة؛ فتسعى على راحتهم، وتمسح همومهم وأحزانهم، وتزيل معاناتهم وآلامهم، وتتحمل طباعهم وسوء خلقهم.
هكذا كان اعتقادها. إلى أن وقعت يوماً في محنة وتنكّر لها كل من تعرفه من أقاربها ومن العاملين معها. عندها اتهمتهم جميعاً بجحود ونكران إحسانها العظيم إليهم وأغلظت لهم في القول… فاعترفوا لها جميعاً بأنهم دبروا لها هذه المحنة تدبيراً لينتقموا منها! وبأنهم تخلوا عنها عن سابق عمد وتصميم؛ فهي تسببت (بشكل غير مباشر) في موت أم وتيتم طفل، وفي تأخر شفاء بعض المرضى، وفي آلام نفسية وآلام جسدية لكثير من معارفها والعاملين معها. وغير هذا مما يؤذي ويزعج، وينال من الكرامة ويحط من الإنسانية.
فاكتشفت سناء فجأة كيف هي حقيقة سلوكها مع الناس وكيف يرونها، وأدركت -عندها- كم كانت مخطئة في تقديرها لنفسها وفي تقويمها لشخصيتها، وعلمت أنها غير محبوبة لتكبرها، وأنانيتها، وقسوة عباراتها، ولكثير غير هذا من الخصال التي تؤذي الآخرين وتنال من إنسانيتهم.
فخرجت من تجربتها وحيدة محطمة يائسة.
* * *
هذه القصة عرضها -قديماً- التلفزيون في حلقات لتسلية الناس، ولكنها تُعرض في حياتنا كل يوم وبطريقة غير مسلية! وقد لا أكون مبالِغة لو قلت أن معظم الناس (إن لم يكن كلهم) يظنون أنهم رائعون، محترمون، محِقون، لا يَظلمون ولا يعتدون؛ فلماذا -إذن- يقابَلون بالسوء والإيذاء؟!
ويظنون أنهم مخلصون أوفياء، فيستغربون أنهم يقابَلون بالغدر والخيانة!
ويظنون أنهم يحبون الآخرين ويبذلون من أجلهم ويعطون ويضحون، فيُدهَشون أنهم يقابَلون بالبغض والجحود والنكران!
ويظنون، ويظنون… فهم يظنون في أنفسهم كل خير ويرون فيها كل فضل ولذا يَعجبون من عدم احترام الناس لقدرهم العظيم ولمواهبهم تلك. فهل نحن بحاجة لأن يدبر لنا الناس مكيدة أو فخاً (كما دبروا لسناء في القصة السابقة) حتى نرى حقيقة أنفسنا؟
وإننا وإن لم نكن نسخة عن سناء (في عدم إدراكها عيوبها وحقيقة شخصيتها)، فإن كل واحد منا في داخله جزء من سناء. وطالما كذَّبْنا أسماعنا ثم تناسينا كلمات حاول بها شخص مُحِب أن يلفت انتباهنا إلى شيء من عيوبنا (هذا إذا لم يحنق عليه بعضنا لجرأته تلك!). فهلا انتبهنا قليلاً لسلوكنا مع الآخرين؟
كلنا نتألم لما فعله الناس بنا، ونتأثر من كلمات قالوها لنا، ولا نفكر أبداً بما فعلناه نحن بهم من تصرفات شائنة، وما أسمعناهم من كلمات جارحة! يرى أحدنا القشة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، وإن هذا -والله- تصرف غير عادل: ننظر لأنفسنا بعيون منحازة ومحابية، ونعتقد أننا لا نخطئ أبداً ولا نؤذي أحداً، فنلوم الآخرين دائماً بدل أن نلوم أنفسنا، ونعتبر النقص فيهم إن اختلفنا، والعيب بهم إن تضررنا، وننزعج منهم لأي هفوة، ونعاتبهم لأي زلة.
وإن صدف واعترف واحد منا بخطئه فإنه يبرره بسبعين عذراً ولا يلتمس لأخيه عذراً واحداً لو وقع في نفس الخطأ.
* * *