العراقيل والمثبطات التي تُصعِّب “عملية التربية”

“عملية التربية” تكتنفها الصعوبات!

وليست الصعوبة -كما يظن الناس- من العملية نفسها! وإن كنت لا أنكر أن التربية صعبة وأنها مسؤولية عظيمة ومهمة كبيرة، وإنما تأتي الصعوبة -أيضاً- من مصادر أخرى، ومن أسباب قد لا يحسب لها الناس حساباً ولا تذكرها كتب التربية، منها الداخلية ومنها الخارجية.

وأكثرها “أسباب بعيدة” ولا علاقة مباشرة بينها وبين عملية التربية، ولكنها ترتبط ارتبطاً وثيقاً بها من جهة كونها “عوامل سلبية” تؤثر تأثيراً رهيباً على الأم وتخلخل استقرارها النفسي، فتكتسب تلك “العوامل غير المباشرة” القوة وتصبح فاعلة جداً، ويصبح لها دورها الكبير والسيء على عملية التربية.

فالتربية تحتاج لتفرغ تام وهدوء بال وأنى يكون ذلك والعراقيل والمثبطات والعوارض الطارئة تحف بنا؟! وهذا ما يُصَعِّب السيطرة على “عملية التربية” ويرهق المربين.

وأقصد بالصعوبات: “مشقة عملية التربية” من الأصل، أي من حيث طبيعتها ومسؤولياتها، وأقصد بالعراقيل: “مستجدات” و”ظروف” تزيد “عملية التربية الصعبة” تعقيداً، وأقصد بالمثبطات “ما يعتري النفس البشرية من حالات الإحباط”، فتتعرض العملية لصعوبة فوقها صعوبة، صعوبات بعضها فوق بعض.

هذا ما واجهته أنا، ولولاه كانت “التربية” برأيي عملية ممتعة وسلسة وسهلة مَهْما عانينا من التحديات الخارجية الأخرى، وإليكم الأشياء البعيدة و”العوامل غير المباشرة” التي تواجه المربين فتعيق عملية التربية إعاقة بالغة أو تفسدها:

أولاً: تعدد المسؤوليات وكثرة الواجبات

إذ صعبت الحياة، وتوسع طموح الأمهات وأصبحن يشاركن الرجال في الكسب وفي كل الأعمال (لكي تستقيم الحياة)، فزادت المسؤوليات عليهن وكانت أصلاً كثيرة، وإليك التفصيل:

الأم كسائر البشر لها حاجاتها الشخصية الضروية، ولها هوايات يحتاج إنجازها وقتاً طويلاً وفكراً صافياً. ولها صديقات تحب زيارتهن، ومحادثتهن على الهاتف.

والأم زوجة وعليها القيام بواجبات الزوجية، وهي ليست ليست قليلة؛ إذ ينبغي التزين للزوج والاستجابة له في أي لحظة، وتفقد طعامه وشرابه ولباسه، ومراعاة مواعيد عمله ونومه، ومسامرته ومصادقته.

والأم ربة بيت وعليها مسؤولية الترتيب والتنظيم والغسيل والكي، والطبخ وتخزين الطعام، والتجهيز للدعوات، والإعداد للخروج سواء للسفر أو للنزهات.

والأم أم وعليها الاعتناء بالأطفال مادياً ومعنوياً، والاستيقاظ من أجلهم وتأمين حاجاتهم وحفظهم، وشراء ملابسهم وكافة لوازمهم المدرسية وغيرها.

والأم ابنة وعليها بر والديها، وزيارتهما وتفقد أحوالهما، ومؤنستهما ومساعدتهما وتمريضهما.

والأم كنة وخالة وعمة وجارة وصديقة، ومسؤولة عن كل ذلك، فتزور المريضة وتعزي المصابة، وتفرج كرب المحزونة، وتساعد ذات الحاجة الملهوفة…

والأم فرد في المجتمع وعليها المساهمة فيه بنصيب، سواء بالمشاركة في المشروعات الخيرية أو سماع المحاضرات، أو الدعوة إلى الله…

ومن الأمهات المعلمة والموظفة والطبيبة والمهندسة… أعمالهن تستغرق تسع ساعات من اليوم، وللنوم والطعام وضرورات الحياة ما لا يقل عن عشر ساعات، وما بقي يوزع على المهام السابقة (زوج وأولاد وصلة أرحام وعيادة المريض) وفوقها تحتاج الأم لوقت لتنمية قدراتها وقراءة الكتب والمجلات… فهل سيكفي!!

فأنى للأم التفرغ؟ وكيف ستستطيع التوفيق بين المهام كلها وتنجح في كل واحدة؟

والطامة الكبرى في انشغال الآباء أيضاً، فكل ما سبق ينطبق عليهم بالإضافة إلى غيابهم الطويل؛ فمع غلاء الأسعار وزيادة البطالة، أضحى العبء المادي الملقى على كاهل الرجل كبيراً، وكثيرون يتأخرون في العودة من أعمالهم يومياً، أو يعملون في مكانين أو ثلاث، ويعودون إلي بيوتهم منهكين فلا يربون ولا يوجهون ولا يعلمون شيئاً عن حال أولادهم.

فمن يربي الأبناء إن عدم الأم والأب؟

ثانياً: عدم إمكانية الاستراحة أو الاعتذار

الأم مستنفرة طول اليوم، والأولاد يستهلكون نهارها كله؛ فلا تستطيع تخصيص وقت محدد لهم لتقضي طلباتهم وتلبي رغباتهم ثم تلتفت لشؤونها وتمارس هواياتها. إنهم معها دائماً وهي مضطرة لقطع نومها أو الاعتذار من مضيفتها إذا طرأ أي طارئ بسيط (فكسر الصغير كوباً أو جرح أصبعه، أو أسقط أصص الزرع ونثر ترابها على السجاد).

الأم في خدمة أبنائها أربعاً وعشرين ساعة ولا يمكنها التملص أو الاعتذار، العناية بهم ورعايتهم تأخذ ساعات طويلة وجهداً مكثفاً، ويمرضون باستمرار وقد يتقيئون في أي مكان فتكون مصيبة، وتنتابهم الآلم ليلاً فتبقى بلا نوم لتمرضهم وتتأكد من سلامتهم فتعلن حالة الطوارئ، وتتسخ حفائضهم ست مرات في اليوم وقد يصل البلل والرائحة الكريهة إلى ملابسهم الجديدة الأنيقة وإلى الفرش الثقيلة الغالية فتصير المهمة عسيرة.

ويخربون متاع البيت ويفسدون نظافته وترتيبه، وطلباتهم ملحة وأسئلتهم محرجة وبعضها يحتاج لتفكير عميق ومراجعة في الكتب، ويحتاجون وقتاً حتى يلتزموا بالآداب والخلق، وتعديل طباعهم أمر شاق ويحتاج إلى علم وفن وخبرة وصبر طووويل…

وصدق أهل الأمثال حين قالوا: “لا يكبر ولد إلا بعد أن يفنى جسد”، ولذلك وصى الله بالوالدين ورفعت الأحاديث من مكانة الأم.

وحين تُستهلك الأم تنتابها الأفكار السلبية وتفقد اتزانها وتتراخى بالتربية والتوجيه.

ثالثاً: كثرة العوارض المحبطة والمثبطة والمعطلة

الأم إنسان فهي تمل وتغضب وتتعب وتمرض، ومزاجها يتغير بسبب الدورة الشهرية وتَقَلُب الهرمونات، ولا تكون على حال واحد في كل الأوقات، فتارة تحل مشاكل أولادها بالحكمة والموعظة الحسنة، وتتعامل مع المشكلة بقلب كبير وعقل واع وتراعي ظروف الصغار ومشاعرهم. وتارة تكون في وضع نفسي سيء (تفكر بأمر، أو تنتظر خبراً، أو منزعجة من شخص ما) فتصرخ بهم وتضربهم على أمر بسيط لا يحتاج لأكثر من تنبيه صغير، ويشعر الأطفال بالظلم ويقعون في الحيرة من سلوكها.

والأم لها مشكلاتها الخاصة، ومعاناتها، ويوجد في حياتها ما يزعجها ويؤلمها كأن تكون على غير وفاق مع زوجها أو مع أهله، أو تعيش في ضائقة مادية… كل هذا يقلب المزاج ويؤدي للاكتئاب، ويفسد توازن الأم النفسي ويعطل تفكيرها ويؤثر على حكمتها وحسن تصرفها مع أبنائها، فتفسد ما سبق وزرعته من الحب والحنان والتوجيه السليم.

ونحن في زمن كثرت فيه المصائب والأمراض والحوادث المفاجأة وقلت الأموال، هذا من جهة. ومن جهة أخرى كثر العقوق ورفيق السوء، وتفشت الأنانية وسوء الظن… الأمر الذي يحبط الوالدين، فيهملان تربية الأولاد بحجة أنه لا وقت لذلك ولا مزاج ولا هِمّة، والمسؤوليات الأخرى أهم وأبدى! وأنه لا فائدة ترجى من التربية ونحن في زمن لا مكان فيه للخلق والفضيلة وإنما البقاء للأقوى والأغنى! فيتركون أولادهم هملاً على أساس أن الدنيا أكبر مدرسة، والتجارب ستربيهم وتعلمهم فهي أعظم الأساتذة.

رابعاً: قوة العوامل الوراثية

قالوا: “الولد عجينة طرية” ويمكن تشكيله بسهولة في كل شأن، ولكن ومن تجربتي اكتشفت أنه ليس بكذلك!

صحيح أن الابن يكون عجينة طرية في جوانب معينة، لكن الأم والأب لا يستطيعان أبداً تشكيل ولدهما على كيفهما (في كل أمر) بسبب الطباع التي خلق عليها أصلاً، والتي حملها في جيناته وفي عروقه فلا يمكنه الفكاك منها إلا بصعوبة بالغة.

ولا تعجبوا! ألم يقل النبي ص: “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس”؟ ألا تلاحظون -أيها المربون- اختلاف طباع الأولاد وهم إخوة ومن صلب واحد، التوائم المتماثلة تختلف طباعهم، فكيف بالبقية، وتظهر الطباع منذ اللحظات الأولى للولادة، فهذا يتصبر على الجوع ساعات ولا يبكي، والآخر يترك الرضاعة تماماً إذا تكلمت أمه، والثالث لا يتوقف عن العبث والحركة لحظة.

وفي عمر السنتين نميز بوضوح الكريم من البخيل، والمتسامح من الحقود، والهادئ من الطائش. فمن أين جاء هذا؟ جاء من الجينات وتغلغل في كل خلية وولد مع الإنسان، فأنى الهروب منه.

الطفل يتعلم “التهذيب” و”القيم” ويترقى فيهما، ولكن تغيير الطباع تغييراً جذرياً من المعجزات، وهو صعب ومجهد، ويحتاج إلى الصبر والمثابرة، وتبديل الميول والأهواء من سابع المستحيلات، فكيف أبدل صاحب الذهن الرياضي والأسلوب العلمي إلى الميول الأدبية والأسلوب الجميل الراقي؟ وكيف أقنع الذي يحب التجارة ويتقن فنونها بالعمل في وظيفة حكومية؟ وباختصار نحن لا نستطيع تشكيل شخصياتهم كما نحب ونرضى بل طباعهم وميولهم وأهواؤهم تحددها.

وتشكيل الطفل أمر صعب جداً بسبب الظروف التي يتعرض لها كل فرد في حياته اليومية وبطريقة تلقيها وانطباعها في نفسه، كما تلعب بالطفل عوامل أخرى متعددة (اجتماعية واقتصادية وصحية ونفسية) فتتغلغل في كيانه ولاشعوره وعقله الباطن وتحول دون الاستجابة الجيدة.

خامساً: العجز عن المتابعة

لو سلمنا بأن “الطفل عجينة سهلة التشكيل”، فلا ينبغي تركه بلا قالب، بل يحتاج لقالب مناسب وذي قياسات صحيحة يترك فيه إلى أن يجف تماماً وإلا سيفسد ويتشوه ولا يمكن إصلاحه من بعد. وهذه هي المتابعة وهي تنفع تماماً وتفيد جداً في تربية “الذوق والتهذيب” و”الأخلاق العالية”.

والمتابعة من أهم أسس التربية لتثبيت الفضائل ومحو الرزايا، فالطفل ينسى وتجرفه أهواءه، ويدفعه فضوله للتملص من التوجيهات وتجربة المنهيات… وأين هي الأم المتفرغة للمراقبة ولتصحيح كل خطأ؟ إذ كل أم لها عدة أطفال، وكل يحتاج لتوجيه خاص، والتربية متعددة الجوانب، وطويلة الأجل فهي تستمر إلى ما بعد البلوغ.

إنها لأجل ذلك “المهمة الصعبة” وكان الله في عوننا نحن الأمهات.

سادساً: تعدد الصواب وعدم وضوح الخطأ

إذ مع الدراسات الحديثة وتطور علم النفس وتعدد المدارس السلوكية والمذاهب التربوية… أشكلت الأمور على المربين ووقعوا في حيص بيص، ماذا يفعلون؟ وكيف يسلكون؟ وكل يوم تتعرض الأم لمواقف وتتساءل: (ما هو التصرف السليم؟ وأين الصح؟)، وقد تختلف مع الأب في ذلك، ويتشتت الأولاد بينهما.

مثلاً ومن الصعوبات المحيرة: (حين يخاف ابني من النوم في غرفته: هل أسمح له بالنوم في غرفتي؟ أو أنام أنا معه في غرفته؟ أو أتجاهل مخاوفه وأجبره على النوم وحيداً في غرفته؟ أم أُلاطفه وأحاول إقناعه ولعلهم يرضى؟ وهل أترك المصباح مضاءاً؟ أو أدير آلة التسجيل ليتلهى بصوتها وينسى خوفه؟)…

هذه مجموعة حلول منها ما هو صواب ومنها ما هو خاطئ، والصواب يتعدد فأي الحلول أختار؟ وما هو الأنسب منها؟ وهل تصلح لكل طفل أم ينبغي أن يتناسب أسلوب الحل مع شخصية الصغير ونفسيته (وهذا هو الجواب السليم)؟

كما أن الأخطاء لا تبدو أحياناً واضحة إلا بعد الوقوع فيها، وهناك شعرة بين الصحيح والخطأ، فتدليل الولد لاشيء فيه لو كان بحد معقول، على إنه إن زاد يتحول إلى الدلع الممقوت والمخرب للطفل. فكيف تدرك الأم الفروقات؟

وبسبب تنوع المدارس التربوية واختلاف مشارب وثقافة القائمين عليها جاءت بمذاهب متناقضة! فهذه المدرسة تقول: “ينبغي تنظيم رضاعة الوليد من لحظة ولادته بحيث لا يقل الوقت عن ساعتين بين الرضاعتين”، والأخرى تقول: “كلما بكى الوليد أرضعيه”، ويستمر التناقض في سائر التوجيهات التربوية، فما العمل مع هذا الاختلاف؟

*  *  *

هذا ما انتبهت إليه أنا من صعوبات التربية، وهي عوامل قوية ولا يمكن الاستهانة بها ولا التغاضي عنها. وهذه الصعوبات والعراقيل والمثبطات واجهت الأمهات وواجهت الأباء من قديم، على أنها تفاقمت في زماننا وزادت حدتها وطرأت عليها أشياء أخرى جديدة.

ولأن هذه العوامل خارجة عن الإرادة يصعب الحد من تأثيراتها، وكل عامل منها لكفيل وحده بتنغيص الأم وتكدير مزاجها وتعطيلها عن القيام بواجبها، فكيف الحال وقد اجتمعت كلها عليها؟!

ومن هنا تنشأ الصعوبة الحقيقة للتربية ويتعذر التوجيه ويفلت الزمام.

ولكن:

منذ الأزل والناس تربي أبناءها ونشأت أجيال وأجيال فما الذي حدث فجأة؟! ولماذا ارتفعت الشكوى وعمت البلوى؟ ولماذا تعذر قياد هذا الجيل بالذات؟ وما الذي تغير فيه عما سبقه من أجيال؟

سيأتي الجواب…

شاهد أيضاً

دع اللعب فقد كبرت عليه

تستهجن بعض الأمهات أن يلعب أولادهن الذين اقتربوا من البلوغ بأي لعبة (رغم اختلاف الألعاب …