المشكلة الثانية- نعتقد أن عقلنا هو الأرجح مطلقاً وحكمنا هو الأصوب دائماً

نظرت إلى الناس فرأيتهم على أنواع بسبب النشأة الأولى، والتربية والتوجيه اللذين تلقاهما. ووجدت أن لكل فرد شخصيته المتميزة، ونظرته الخاصة إلى الحياة.

ولكني رأيت الناس كلهم متفقين على أمر واحد، فكل شخص  في هذه الدنيا معجب برجاحة عقله، وأسلوبه الممتاز في مواجهة المشكلات. وكلهم يرى أن نظرته للحياة صحيحة منطقية، بل هي دقيقة كل الدقة، ومن ثم كل منا يتوقع من الآخرين أن يروا الأمور كما يراها، وأن يسلكوا السلوك الذي يشير إليه، ويتبعوا الحل الذي نطق به. فقلت لنفسي: إن ما قالته الأمثال قديماً حق: “لما وزع الله العقول فرح كل إنسان بعقله وشكر المولى عليه”!

وهذه حقيقة ناصعة، يعرفها الجميع، ويلاحظها كل فرد. وهذا دأب كل إنسان، أن يعتز بعقله، ويحرص على نشر أفكاره، ويعد حمل الآخرين عليها أولى مفاخره، وعماد رفعته… ولكن أوليس من الغريب أن احتل العقل هذه القيمة، وهو عرضة للخطأ، وللنسيان، ولاتباع الهوى؟

أوليس من أعجب العجب، أن يحترم الفرد عقله كل هذا الاحترام، ويقدره كل هذا التقدير، ثم يستخف بعقول البشر جميعاً؟! فالقاعدة العامة أن الفرد عندما يعتز بعقله يستخف من حيث يدري أو لا يدري بآراء الآخرين وسلوكهم وأفكارهم وطريقة محاكمتهم للأمور، فيثير الناس عليه، فإن هو أخطأ أو زل، وهو لابد فاعل، فإن الشماتة ستلاحقه، وستكون سقطته بمئة سقطة:

– وقد دأب رجل على انتقاد الجميع بأنهم لا يحسنون التصرف، وبأنه لم يخبروا الحياة، ولم يفهموا الناس، وكان يظن نفسه بأنه رائع في هذا المجال، فهو يفهم كل الشخصيات، وبإمكانه التعامل مع كل الجنسيات، فكان يطلق النصائح، ويحاول حل المشكلات، ويبادر إلى رفع الخلافات. وكان يريد أن يحمل البشرية على أفكاره، وأن يقنعها بآرائه لتسعد وتنجح! وقد حقق عقله السعادة لبعض الناس فظن أنه النجاح وتابع العمل، ولكن من حوله بدؤوا ينفضون عنه واحداً بعد الآخر لمَّا عرفوه جيداً، فقد لاحظوا أنه لا يجيد التعامل مع الناس، وهو فاشل في الحفاظ على علاقات جيدة مع من حوله، حتى أن مخدوميه وموظفيه قد تركوه وانفضوا عنه واحداً بعد الآخر. فهو لا يصلح لتسيير حياته وقيادتها إلى السعادة فكيف بغيره؟ لقد أدركوا أنه بشر مثلهم يخطئ ويصيب، وليس له ما يميزه إلا اعتقاده بأنه متميز!

– وكانت سيدة تتدخل كثيراً في شؤون ابنتها، وتنصحها وتعلمها ما تفعله مع بعلها، فخطأها جميع من اطلع على أمرها، وطلب منها أن تكف يدها، وتدع الزوجين بحالهما فلم تتعظ، لأنها كانت تعتز بعقلها، وترى أن هذه الطريقة السليمة في مثل ظروف ابنتها، فلم تمض مدة حتى أعاد الزوج البنت إلى بيت أمها، وهرب بعيداً.

*   *   *

وآه لو أدركنا كم تسبب هذا الاعتقاد في مشكلات، وكم أدى إلى اختلافات، وكم تسبب في أذى وحزازات. وكثيراً ما حشر البعض أنفسهم في ما لا يخصهم بسببه، وكثيراً ما أساؤوا وأفسدوا من حيث لا يشعرون:

أعرف أباً كذلك؛ فهو يريد أن يتبع أولاده كلامه، ذراعاً بذراع، وكان -والشهادة لله- راجح العقل، حكيماً في الأمور، ولكن من منا لا يخطئ؟ فقد نصح مرة ابنته بأن تحل مشكلتها مع زوجها بالمواجهة، فتقول له ماتراه منه من عيوب بوضوح وصراحة، واتبعت البنت المسكينة نصيحة أبيها، فتسببت لنفسها بمشكلة عظيمة.

ولعل ذلك الأب لم يدرك بأن شخصية ابنته قد تكون مختلفة تماماً عن شخصيته، وبأنها مهما تلقت منه وتعلمت من طريقته فلن تكون يوماً مثله، ولا يمكنه ملازمتها لينقذها من المآزق. فلا بد أن تغلبها طباعها عندما تفاجأ بموقف أو حادثة. كما أن مشكلات كل إنسان نابعة من شخصيته، ولو كان أحدنا مكان الآخر لما وقع في مشكلاته أصلاً. ولكنه سيقع في غيرها لا محالة!

وإن أصحاب العقول الراجحة هؤلاء لا يتصبرون حتى يحيطوا بجوانب المشكلة، ولا يضعون في حسبانهم اختلاف الظروف والشخصيات والقدرات، إنهم لايرون إلا حلاً واحداً يطلقونه، فيأتي ناقصاً قاصراً.

*   *   *

أما الحقيقة التي تفوت أغلب هؤلاء الناس فهي أن الصواب يتعدد، وليس شرطاً أن يكون الرأي السديد واحداً، وأن يكون الطريق المؤدي للغاية مفرداً، وإلا لشق الأمر على الناس وصعب.

ولذلك كان الاختلاف، ولو أراد الله لجمع الناس على رأي واحد، ولكنه لم يفعل وترك الخيار لهم في كثير من الأمور حتى التشريعية منها، فترك لهم مثلاً قضية الأسرى، مخيراً إياهم بين أربع: فإما مناً وإما فداء، وإما الأسر، وإما القتل. وترك لهم اختيار يوم العقيقة وجعل بين ثلاثة: السابع أو الرابع عشر أو الواحد والعشرين، وكله صواب وصحيح، وفي ديننا الكثير من ذلك، لأن هذا الاختلاف هو الذي يزودنا بالخبرات، ويمن علينا بالسعة والتيسير.

ولكن أغلب الناس يصرون على آرائهم بشكل عجيب، ويحبون أن يكون من حولهم نسخاً مطابقة لهم في الحكم على الأشياء، وفي السلوك، ويبذلون جهودهم لتحقيق هذا.

فلم تعد النصيحة اليوم تنفع أحداً، بل لم يعد أحد بحاجة إليها لرجاحة عقل الناس! ورغم ذلك كثير ما يندم بعضنا ويتمنون ولات حين مندم لو أنهم سمعوا النصيحة:

– فقد نصحت صديقة بأن تتعامل مع أهل زوجها بتقوى الله، وإنما من دون أن تسمح لهم بأن يتدخلوا في حياتها أو يطلعوا على خصوصياتها، فلم تسمع. فلما ألغوا وجودها، واستهتروا بمشاعرها، جاءتني مستغيثة، فلم أجد ما أقوله لها سوى أن يديك أوكتاوفيك نفخ.

– ولما تزوجتُ أضعتُ جل وقتي وجهدي وقوتي في تنظيف البيت وترتيبه، والعناية به، مع أني أسكن بيتاً ليس لي، وكل مدة أفارقه إلى غيره، وقد تلقيت عدة نصائح -من أمي خاصة- بأن أخفف فلم أستجب، حتى ذهبت قوتي، وضعف جسمي، عندها انتهيت. فلما انضمت إلى العائلة سلفة تشبهني، رأيت أن أفيدها من خبرتي وتجربتي، فنصحتها وبينت لها، ولكنها حذت حذوي فلم تسمع نصيحتي، حتى صارت إلى ما صرت إليه.

فكيف نتوقع من الناس أن يستمعوا لنا، ونحن لم نستمع لغيرنا؟!

*   *   *

وما يزال بعض الآباء إلى اليوم يتوقون إلى تحقيق أحلامهم في أبنائهم، فهم يجبرونهم على دراسة فروع لا يريدونها، وعلى امتهان مهن لا يحبونها، ويعتقدون أنهم أعرف بمصلحتهم منهم، وأنا لا أنكر أن ذلك قد يصيب تارات، فقد دفع ابن خالتي ولده إلى دراسة الطب دفعاً، وكان ولده متحيراً في الاختيار إلا أنه كان متأكداً من أنه لا يريد هذا الفرع، وقد تعاطفت العائلة مع الشاب وحاولت ثني والده عن مخططه لكنه أصر، ولم يمض شهر حتى أحب الولد الطب وانسجم معه، وتبين أن والده كان محقاً!

لكن ذلك لا يمنع من أن الأغلبية يتعثرون عندما نجبرهم على ما لا يريدونه. فلا يجوز لنا أن نعمم أحكامنا على الجميع.

*   *   *

وأعجبه أن العقل تتغير آراءه وحكمه على الأشياء، وعلى الناس كلما تقدمنا في العمر وعاركنا الحياة وذقنا منها. فينضج في أمور ويتراجع في أخرى، وكلما تغير الفرد وبدل معتقداته حاول أن يقنع الناس بالتغير معه، وهذا غير منطقي ولا معقول:

– أعرف داعية إلى الله هاجر إلى بلاد الغرب فبدَّل دينه، فصار يحمل الناس على الكفر ويزينه لهم، ويرغبهم فيه بشتى الوسائل، وقد كان من قبل يحمل إليهم الهداية الحقة، والرأي الصحيح والدين الخاتم!

– وقد حاولوا مرة إقناعنا بأن فلاناً البائع سيء وأن علينا مقاطعة بضائعه تماماً ومحاولة إفلاسه والتشهير به، ولم أقتنع. ولم تمر سنة حتى وجدوا أنهم مخطئون وقد ظلموا فلاناً!؟ فعادوا لينكثوا ما قالوه!

فهل أعراض الناس بهذا الهوان لننال منها يوماً، ونمتدحها يوماً؟ وهل تتم استرجاع الثقة بنفس السرعة التي فقدت فيها؟ هيهات هيهات.

– وقد كان رجل يحب صديقاً له، ويرافقه أينما ذهب، ويفرضه على الناس فرضاً، ويدافع عنه إذا غاب، وكان صديقه رجلاً طيباً فأحبه الناس، ولأمر ما تقاطع الصديقان، فصار الرجل يحمل الناس على بغض صديقه، ويدفعهم إلى مقاطعته دفعاً لأنه هو قاطعه ولم يعد يحبه؟ فأي منطق هذا؟

– وكان أب يستهزئ من تقبيل يد الوالدين، ويراه بدعة، وأنها مسايرة مضحكة لعقل الكبار، وكان يصرح بأنه لا يحب هذه الطريقة في التعامل، فالاحترام يكون بالسلوك لا بتلك المظاهر الفارغة. وقد حاول أولاده تقبيل يده مرات جرياً على العادة المتبعة فسحبها وسخر منهم. وذات يوم أقنعته صديق بأن تقبيل اليد فيه تمييز للوالدين؛ فالولد يقبل عمه وخاله وابنه من خدهم، ولكن ما يميز الآباء والأمهات هو تقبيل أيديهما فهذه خاصية لا يشاركهما فيها إلا الجدات، فاقتنع، وتقبل أولاده الأمر تماماً، ولكنها كانت مفاجأة يوم طلب منهم أن يمتنعوا عن ذلك مرة أخرى، فكيف يكون المرء كل يوم برأي؟!

*   *   *

وإننا لا يعجبنا أن الناس لا يقتنعون بغير رأيهم ثم نصمم نحن على آرائنا! فهل رضي أحد منا يوماً برأي غيره؟ هل تعرفون شخصاً كان إن سمع الحق انحاز إليه، وإن رأى الحجة استسلم؟ وإن علم الدليل أذعن؟ أما أنا فلم أقابل مثل هذا.

وما الجدال في الدين والمراء في أمور الدنيا إلا ثمرة من ثمار اعتداد كل إنسان برأيه وعقله، وهذا الخلق غير إسلامي ولكنه فاش ومنتشر. ألم تروا إلى الذين يحرصون على أن تسير الحياة وفق قوانينهم وآرائهم، فإن اضطروا هم للخضوع إلى قانون أعلى تمردوا واعترضوا وإن كان القانون الآخر أعدل وأفضل.

والخلاصة أنه لا يمكننا إقناع الناس بآرائنا ولكن يمكننا خسارتهم بسهولة بهذه الطريقة!