المرتزقة الجُدُد!؟

كنا ما زلنا نحارب ظاهرة علماء السلطة وننقدها ونتمنى لو شفينا منها ليبرز لنا آفة جديدة أشنع منها: “الدعاة المرتزقة” الذين يتكسبون بالدعوة إلى الله ويجمعون الملايين من جيوب الراغبين في الصلاح والمقبلين على الدين. فإياك أخي الداعية وإياك أختي الداعية أن تكونا من هؤلاء.

ولقد كانت المحاضرات الدينية -حتى وقت قريب- تقام مجاناً ويدعى إليها من شاء من الناس ليتفقه ويتعلم، فصرنا في زمان لا يسمح فيه للمرء بالسماع إلا إذا بذل المال! فهل ما يحدث الآن أمر مقبول على الإطلاق؟

إن الدعوة إلى الله رسالة سامية عظيمة ثوابها كبير، وكان الناس من قديم يقومون بها بلا أجر، قربة إلى الله وطمعاً في جنانه، وكانت كل القربات إلى الله بلا أجر مثل تعليم القرآن والأذان وإمامة المساجد، حتى جاء زمان خشي فيه الفقهاء ألا يقوم الناس بهذه الأعمال فأجازوا الأجرة عليها وحللوها، ولعل الدعوة إلى الله من هذا الباب فلا اعتراض اليوم على من يأخذ أجرة على محاضرة أو دورة أقامها إن كان ما يأخذه بالمعروف، لأن الحياة صعبة وتأمين الرزق في هذا الزمان أصبح من سابع المستحيلات، فلا بأس أن يمتهن الإنسان المتعلم والمتفقه في الدين (الدعوة إلى الله)، ولا مانع من أن يرتزق منها بالمعروف.

أما أن يتعالى الداعية إلى الله على عباد الله ويمنع عنهم ما تعلمه إلا بأجر سخي فهذا والله عمل مشبوه، وأن يسرف ويبذخ في أموال الأمة ويتشرط ويطالب بالكثير لقاء محاضراته فهذا شيء لا يطاق؛ فهؤلاء الدعاة المرتزقة لا يُعلمون الناس ما علمهم الله إلا مقابل المال الوفير، ولا يسافرون من بلدهم لنفع الآخرين إلا بتذاكر مجانية ومع إقامة في فنادق الدرجة الأولى شاملة للطعام والتنقل، ومنهم من يطلب فوق هذا مبلغاً كبيراً وثمناً باهظاً لمحاضرته غير مبال بمقدرات الناس ومستوى البلد الذي سيزوره، ويشترط القبض مقدماً وقبل أن يعرف كم شخصاً سيحضر لسماعه.

وإني لأعجب ممن يستقدمون أمثال هؤلاء من بلد لآخر ويدفعون لهم مبالغ كبيرة ليلقوا دورة بسيطة أو محاضرة مكرورة، وأعجب أكثر من الناس الذين يركضون لحضور هذه الدورات ويدفعون بلا حساب، وسأقول لكم لماذا:

أولاً- وبصراحة هؤلاء دعاة وليسوا علماء وهم ناقلون وليسوا مبدعين، إنهم مجرد أشخاص تعلموا شيئاً فهم يلقونه على الناس كما هو، فعلمهم قليل ومن محاضرتين أو ثلاث ينفد ما لديهم ولا يبقى عندهم ما يقولون. وقد اكتشفنا -بعد حضور عدة دورات لعدة دعاة- أن الواحد منهم يقوم بإلقاء دورته الأولى، وبعد مدة يعلن عن دورة جديدة باسم جديد، ويضع الإعلانات وتمتلئ الشوارع ويقبل الناس عليها، فإذا بها نفس الدورة القديمة مع بعض التعديل ليتم التمويه!

ثانياً- كل محاضرة صار اسمها اليوم دورة وهذا غش، فالدورة لها تجهيزات كبيرة وفيها تمارين كثيرة، وتكون مكلفة لأنه لها لوازم ضرورية، لكن هؤلاء يتجاهلون كل ذلك ويضحكون على الناس بمحاضرة وبضعة أوراق يوزعونها، وجهاز عرض، ثم يقولون هذه دورة! ويأخذون من الناس ما يعادل أجور الدورات.

ثالثاً- هؤلاء لا يرضون الحضور من بلادهم إلا بعد المفاوضة على الدفع، ولا يكفيهم أن الإقامة والنقل والطعام مجاناً فهذا لا شيء بالنسبة لهم، ولا يرضون بالأجور العادية المعقولة لأنهم فوق ذلك!؟ فإن أغراهم الأجر واستلموه حضروا وإلا فلا، ولا يأتون لوجهه الله -فيما يبدو للمراقب- وكأن الأجر الأخروي محذوف من قاموسهم وأنهم يعملون فقط لجني المال. حتى أنهم استقدموا أحد هؤلاء الدعاة ونفذوا له طلباته كلها وأنزلوه في الفنادق الغالية ودفعوا له الأجر الكبير، ثم خطر لهم أن يدعوه في يومه الأخير لإلقاء محاضرة مجانية على طلاب الجامعة، فرفض لأنها ليست في أصل الاتفاق فهو لا يقدم شيئاً إلا بأجر!!؟ فهل هذا من خلق الدعاة؟!

رابعاً- ويطلبون مبالغ مرتفعة ممن يحضر للاستماع إلى دوراتهم التي في حقيقتها محاضرات، وهم يعلمون أن أكثر الناس غير قادرين على الدفع، فهم إذن يأتون ليخاطبوا أفراد المجتمع المخملي ويحرمون عامة الناس (وهم الأكثرية) من الفائدة، والعامة هم أكثر حاجة لمثل هذه الدورات لأنهم الكادحين المساكين الذين لا يجدون الوسيلة لتنمية مواهبهم وقدراتهم مع أن الخير يرجى من أمثالهم. فصارت دورات أولئك الدُّعاة كطعام الوليمة الذي ذمه النبي الكريم لأنه يدعى إليها الأغنياء ويحرم منها الفقراء.

5- ويبالغ هؤلاء في ترفيه أنفسهم، وقد حدثني ثقاة أن أحد هؤلاء الدعاة وصل المطار فأخبروه أنهم حجزوا له في فندق أربع نجوم لأن الميزانية لم تسمح بأكثر، فلم يقل كلمة واحدة بل استدار وعاد أدراجه إلى صالة المغادرة ورجع على نفس الطائرة إلى بلده!؟ فتأملوا أيها الناس كيف هم بعض دعاة اليوم. وقد كان النبي وصحابته ينامون على الحصير حتى ليؤثر في جنباتهم وهؤلاء يبحثون عن الفراش الوثير، ونحن لن نطلب من دعاة اليوم النوم على الحصير، ولكن نذكرهم بأنهم قدوة، وأول ما ينبغي على الدعاة تقديم المثل الأعلى بسلوكهم، ولا أقل من أن يبتعدوا عن البذخ والإسراف ويرضوا بالنوم في شقة مفروشة أو في فندق متواضع ما دامت شروط النظافة والراحة متوفرة فيهما. وفي عملهم أثر إيجابي كبير على الناس الذين حضروا لسماعهم، وفي هذا أيضاً تشجيع للمقاطعة وإنعاش للاقتصاد المحلي ولهم عليه أجر كبير من الله لو فعلوه.

*   *   *

هذا -أيها الناس- ما يكون من بعض الدعاة اليوم فإياك أختي الفاضلة إياك أن تكوني من هؤلاء المرتزقة الجدد، وإياك أخي الداعية أن تكون كذلك، بل أخلصا النية لله في الدعوة، ولايكن همكما الرفاهية والشهرة وجمع المال، فإن خلصت النية لله وحده فإن الله سيوفقكما ويرعاكما ويرزقكما.

نشرتها مجلة “الأسرة”

شاهد أيضاً

444

المرتزقة الجُدُد!؟

كنا ما زلنا نحارب ظاهرة علماء السلطة وننقدها ونتمنى لو شفينا منها ليبرز لنا آفة ...