المشكلة الأولى- نظن أننا بلا عيوب ونستصغر أخطاءنا

 

كم تحت السماء من إنسان يعتقد أنه خلق بلا عيوب، وأنه يعيش بلا سيئات، وأنه سيموت بلا خطيئة! قد أقنع نفسه بهذا وطفق يحصي سقطات الغير وزلاتهم، فلما رآها قليلة لا تزال، ضم إليها ما يسمعه من سواد الناس دون تثبت أو تأكد، ليستكثر وليرضي بها حساباته التي تبرؤه هو وتدين من حوله.

وجعلت أسرح بخيالي بالإنسان، وأحلل نفسيته، وأعلل دوافعه لتبرئة نفسه واتهام غيره، فوجدت أنها طبيعة البشر التي جبلوا عليها، أليس القرآن خبرنا بأن الكفار يحلفون يوم القيامة وأمام رب العزة والجلال العالم المطلع بأنهم ما فعلوا سوءاً؟! ألم تطلب المرأة المخزومية وقومها أن لا تعاقب ولا تقطع يدها وهي معتدية وسارقة؟!

فالإنسان -وإن رأى عيبه- يستصغر ذنبه، ويستسهل غفرانه، ويتوقع أن يسامحه البشر، وإن خان وطنه، أو غش وسرق، أو نافق وكذب. وأما إن هو رأى ذنب غيره استكبره واستهوله، ولم يغفر له حتى يوم الدين.

هذه هي طبيعتنا، ولكننا غافلون عن أنفسنا، يقظون لغيرنا:

– سمعت عن امرأة أغواها رجل فوقعت في الفاحشة ثم ندمت وتابت توبة نصوحاً، وكان زوجها رجل سوء ينام كل يوم مع امرأة، لكنه لمَّا علم بأمرها طلقها ثلاثاً، ولم يقبل لها عذراً، وعلل بأنه لا يرضى ولا يسمح للفاحشة بأن تدخل بيته!؟

– وكم أنزعج من سيدة (ومثلها كثير) أجتمع بها بين الحين والآخر، ولا تنفك تحدث عما فعله بها فلان وفلان، وإنها لاتترك من شرها أحداً، فتارة تشكو من زميلاتها في العمل، وتارة من جيرانها، وأخرى من لداتها، ولم ينجو منها أحد حتى زوجها وأولادها، بل أمها وأبيها. وقد حاولت بعد أن عرفت تفاصيل حياتها أن انبهها إلى ما فعلته هي بالناس، فوجمت، ثم أخذت تدافع عن نفسها، وتحشد لي القصص والوقائع التي تؤكد أنها من دون عيوب أبداً، وأن من حولها فيهم عيوب لا تحصى؛ فهم أغبياء، ولا يقدون المعروف، ولا يحسنون التصرف، قد تأصل فيهم السوء، وسيطر عليهم الشر، وغيره! ولما بالغت في تنبيهها إلى بعض عيوبها أعرضت عني!

– وتشاكلت مرة مع قريبة لي بدأت هي العدوان علي، فعاملتها على مبدأ العين بالعين والسن بالسن؛ آذتني فآذيتها، ونالت مني فنلت منها، ومرت الأيام وخف الاحتكاك بيننا، وغيرت منهجي في الحياة وأعجبني اتخاذ التسامح منهجاً، فقررت التقرب منها ومحاولة الإحسان إليها (مع أني كنت متأكدة أن سبب الخلاف بيننا هو في طباعنا التي جبلنا عليها، ولو عدنا لما كنا عليه من القرب لاختلفنا من جديد). وفي إحدى السهرات الهادئة اللطيفة، خطر في بالي أن نضحك سوياً ونتندر بما كان، فذكرتها بما كان بيننا، وكانت مفاجأة هائلة لي لما قالت: أنها بريئة، ولم تؤذني قط، ولم تتعرض لي بسوء، ولم تفعل شيئاً يؤلمني، ولكني أنا التي ظلمتها وتهجمت عليها، وتبليتها بأمور، ودمعت عيناها وكادت تبكي!! فقلت لها: ويحك تذكري ما فعلته بي. ثم أردفت على سبيل التواضع: إننا نحن الاثنتان مخطئتان فلنتسامح. قالت: أبداً أنا المخطئة وحدي، وهي لم تقترف شيئاً!؟

لقد انزعجت من كلامها هذا أياماً، وحنقت عليها من جديد، حتى أني صرت أراها في منامي تسيء لي وتؤذيني كما كانت تفعل، ثم قررت أن أتناسى الأمر، وبذلت جهداً جباراً لأفعل.

– واجتمعنا في مجلس علم مع امرأة واعية فاضلة، جاءت خصيصاً لتنصحنا وتنبهنا إلى أن الحياة الغربية قد أثرت علينا، ودخلت حياتنا من كل باب، ويجب علينا طردها والتخلص منها نهائياً، وكان مثالها الوحيد الطعام السريع الأمريكي؛ كالبيتزا وسندويشات الهامبرغر وغيره، وكانت السيدة تلك متحمسة أشد الحماس تنبه وتوضح، وتتخذ كل سبيل للإقناع، فتحذر وترغب. ولعلها كانت على الحق.

ولكن.. لم تلبث تلك السيدة غير بعيد، حتى قررت أن تجدد بيتها، وكانت مفاجأة عظيمة لي وهائلة، بل باهرة لما زرتها بعد التغيير؛ إذ كان البيت ست غرف، وإذا به قد أصبح غرفتين للنوم والباقي صالوناً واحداً كبيراً ممتداً، وتساءلت أليس هذا تقليد غربي دخيل؟ فنحن المسلمين نحب الستر، فنعدد الغرف ونجعل لها الأبواب، وهذا أمر مهم بالنسبة لنا، ولا نتهاون فيه أبداً. لكن الطعام الجاهز (الذي سبق واعترضت عليه) لم يحرم الإسلام أكله، وليس فيه ضير فطعام الذين أوتوا الكتاب حل لنا، أما فتح الغرف بهذه الطريقة فإنه يفسح المجال للعورات ليسهل تكشفها، ويزيل الخصوصية فأين يجلس النساء والرجال إن اجتمعا؟ في غرف النوم؟

وهذا السلوك فيه سرف لم نعهده، فقد أنفقت الكثير لتجعل البيت كذلك، وفيه مباهاة ومفاخرة بما زينت به السقف وبلطت به الأرض واشترت له من الأثاث الفاخر، مما لم يدرج عليه أقراننا وأمثالنا من أهلنا ومعارفنا.

والمؤلم أنه كان في بيتها غرفة كبيرة قد امتلأت حيطانها بالمكتبات التي اكتظت بالكتب القيمة المنوعة، وكانت تلك الغرفة رائعة تشرح الصدر بحجمها، ونورها وإطلالتها على الحديقة، وكانت برحابتها تجعل الكتاب في متناول أهل البيت كلهم فتشجعهم على الاطلاع والقراءة، والصداقة والتآلف مع الكتاب. فلغتها من أجل الصالونات، وحشرت هذه الكتب كلها في غرفة منزوية صغيرة معتمة، لاتراها العين ولا تصل إليها اليد.

ولكنها لم تدرك أبداً ما فعلته، وبقيت تنظر ما فعله الناس وما اقتبسوه من الحضارات غير الإسلامية، وأنا لا أعيب عليها هذا، فتلك طبيعة الإنسان، وإنما انبه لما نقع فيه من غير قصد منا.

*   *   *

إني لمَّا سمعت هذه القصص وعاينت أمثالها في الحياة استغرقت في التفكير، ثم شعرت بفداحة ما نفعله مع الناس؛ فلو أننا رأينا فقط بعض عيوبنا -لا كلها- التي يراها الناس ولا نراها، لكان في ذلك عبرة وعظة لنا، ولشعرنا بحياء شديد من الناس، ولما تجرأ فرد منا بعد ذلك على ذكر عيب أخيه، إن لم يكن خوفاً من الله فخوفاً من الناس أن يعاملوه بالمثل فيعيروه بعيوبه.