لا ترتبكي مما كتبه الله على بنات آدم!

جاء رمضان وحضر معه الارتباك المعهود: (تستحي الفتاة أن تقول لوالدها وإخوتها أنها في الدورة الشهرية، فيوقظها للسحور وتقوم من أعماق نومها وهي منهكة وفي حالة ذهنية مشوشة ولا رغبة لها في الطعام أبداً، وتضطر للتظاهر بالجوع وتأكل وتشرب زيادة عن حاجتها، ثم تتحايل لتظهر وكأنها صلت الفجر، والأصعب أنها تقضي اليوم التالي شبه صائمة فلا تقترب من المطبخ ولا تأكل شيئاً!).

وهذا تعذيب للنفس لا يطلبه الإسلام، ومشقة لم ترد في الأثر ولم نسمع بها في الأولين، (خلافاً لبعض الناس الذين يظنون أن الإمساك خير وعلى البنت ألا تأكل شيئاً احتراماً للشهر الكريم! فهذا خلط ولم يرد في الشرع دليل عليه). وأعجبه عدم انتباه الأب لقضية البلوغ ولحوق “الفطر” ببناته، وأعرف أباً له سبع بنات يوقظهن بنفسه كل يوم في رمضان وعلى مدار العام ليصلين الفجر، ولا يتركهن حتى ينهضن من الفراش ويذهبن للوضوء الواحدة تلو الأخرى، وإذا تلكأن نهرهن! أفلا يخطر بباله أن إحداهن قد تكون معفية من الصوم لبضعة أيام؟ ألا يتساءل: “كيف تصلي ابنتي كل يوم وقد تجاوزت الخامسة عشر؟ أفلا تحتاج إذن لتفقه في الدين! أو لاستشارة طبية؟”.

ولا أقصد ولا أدعو لأن تعلن البنت لذويها كلما حاضت أنها لن تصلي ولن تصوم لعدة أيام ابتداء من كذا وانتهاء بكذا، أو تتعمد طبخ وأكل وجبتها أمام الناس… فهذا تطرف لا داعي له، ولكن ما يحدث الآن أيضاً تطرف ولا يخلو من تكلف؛ وإن الامتناع عن الطعام والشراب في الحيض ليس له جزاء ولا شكوراً، وإخفاء “الفطر” والتظاهر بالعبادة لم يرد في الشرع.

الحل الوسط موجود، وأنا أنصح بأن تتصرف الفتاة على طبيعتها أثناء الحيض، أي بحسب برنامجها الدراسي وقدرتها الجسمية ورغبتها النفسية: فتشارك أهلها سحورهم، أو تنام ولا تجامل أحداً؛ فالحيض يعكر المزاج، ويصاحبه الإعياء والألم، ومن أعراضه النعاس السريع والنوم الطويل، ويحتاج الجسم أثناءه للراحة والغذاء والسوائل لتعويض ما يفقده.

وإذا كان الله قد أعفى النساء فيه من العبادة (وما خلقنا إلا لنعبده)، فالأمر جلل! والرخصة التي جعلها الله لبنات آدم وأجبرهم على الالتزام بها هي في حد ذاتها عبادة، ولو صامت الحائض أو صلت ما قُبل منها بل ترتكب إثماً، وأيام الفطر محسوبة عليها وسيأتي يوم تكون مضطرة لتعويضها والناس حولها مفطرون ويعلمون أن القضاء سبب صيامها، وحينها لن يراعوها وسيأكلون ويشربون وهي تنظر إليهم.

“الدورة الشهرية” قدرك وستلازمك مدة طويلة فتصالحي معها، وقوي شخصيتك واقبليها دون حرج، وتعاملي معها بشكل عادي وطبيعي وبطريقة ودية، فيتعود من حولك عليها أيضاً ولا تثير حساسيتهم ولا يعيروك بها.

وإذا عجزت اطلبي المساعدة من أمك لتسر لوالدك بأن يتغاضى عنك، أو تتولى هي دائماً إيقاظك للصلاة وينتهي الإشكال، ولكن لا تظلمي نفسك حياء من أهلك وفي موطن ليس فيه حياء.

(المقال نشر في مجلة الأسرة السعودية) وله جزء ثان:

لا تستحي من “الحيض” والله كتبه على بنات آدم!

تعجب الناس من مقالي الماضي عن التعامل مع “الدورة الشهرية”، وقالوا لم أكتب عنها وبعضهم يتقزز من ذكرها؟ وهي مبنية على الستر والحياء فيها مطلوب؟ وتساءلوا لِمَ أشجع الفتيات على إظهار “فطرهن” في رمضان مادمن قد تعودن على إخفائه، وجرى العرف عليه وانتهى الأمر؟

أما أنا فلي وجهة نظر أخرى أشرحها بما يلي:

أولاً- إن تجاهل “الحيض” فيه ظلم كبير للأنثى، ومادام ملازماً لهن ويصاحبهن أياماً فينبغي على ذويهن مراعاتهن في تلك الفترة فلا يتعرضن للضغط والإجهاد بلا داع (ولذلك أمر الله بالرفق بالنساء ومنع الطلاق أثناء الحيض). ثانياً- الله أعفا الحُيّض من العبادة من فوق سبع سماوات، فلماذا يستيقظن ليتظاهرن بأداء الصلاة، ولماذا يراعين الناس ويمتنعن عن الطعام والله أباحه لهن، بل أمرهن بالإفطار؟ ثالثاً- القيم اختلفت وينبغي إصلاحها فالبنت اليوم لا تستحي من مخالفة الشرع (كالغيبة ونتف الحواجب)، أو من ترك سنن الفطرة (كإطالة الأظافر)، ثم تستحي وتغضب لو علم أحد بحيضها! فما رأيك أن السيدة عائشة لم تحرج حين علم الرجال بحيضها يوم الحج، ولا حين أخذها أخوها لتقضي العمرة التي فاتتها بسببه؟ وكانت النساء تسأل النبي عليه السلام عن الحيض (ولا يسألن زوجاته!).

رابعاً- وهو الأهم: “للموضوع آثار سلبية عميقة الأثر”؛ إذ مازال كثير من الناس لا يحبون البنات ويرغبون بالذكور، وتسبب ذلك بمقت كل ما يمت للأنوثة بصلة، والحيض أهم سمات الأنوثة ورأسها، ويلازم المرأة مدة طويلة من حياتها وإذا كرهته كرهت نفسها وأنوثتها وعانت نفسياً، وسيؤثر ذلك على أدائها في كل مجال. ولو لقنت البنت بأن الحيض يستحيا منه سيصبح بغيضاً لها وعبءاً عليها ومنقصة في نظرها، وطالما سمعت عن فتيات جلسن لأيام ينتحبن لأنهن بلغن المحيض، وطالما رأيت سيدات يرقصن طرباً لأن الدورة قطعتهن.

وهذه المشاعر مريضة وغير طبيعية، ولا ينبغي وجودها والحيض كتبه الله على بنات آدم، وجعله دليلاً على النضج والتكليف، وعلامة على تمام الأنوثة والقدرة على الزواج والإنجاب، وهو كمال للأنثى وحين تيأس منه يترقق العظم وتبدأ المشكلات، فهو بشارة خير، فلا تنصاعي ولا تكرهيه!

الحيض عرض طبيعي ولذا يُدرس بالمدارس، وكل الناس يعلمون بأن الفتيات يحضن ويمتنع عليهن الصيام والصلاة وقراءة القرآن أثناءه. ويقابله الاحتلام عند الشباب، ولكنهم يستطيعون في كثير من المرات الاغتسال خلسة فلا يشعر بهم أحد، أما الفتاة فحيضها طويل الأجل (لأمر يريده الله)، مما يُصعّب إخفاؤه، ولذلك قد يعرف به المقربون وقد تتعرض للغمز واللمز. والمفروض وكما تتغاضى الفتاة عن أخيها حين يغتسل من الجنابة أن يتغاضى هو عنها إن أفطرت أو تركت الصلاة ولا يؤذيها بالكلام، فما كل ما يعلم يقال. على أنه لا مانع ولا حياء من الإعلان والكلام عن الحيض حين تدعو حاجة، أو تكون فائدة.

 

شاهد أيضاً

ص174

كيف تحبين القراءة؟

لكل إنسان اهتمام بأحد العلوم؛ التاريخ أو الجغرافية أو الأحياء… ولكل فرد عناية بجانب ما؛ ...