عليكم بحسن الخيار فيما تقرؤون

والإسراف في شراء الكتب والمجلات

لعلكم قد عجبتم من عنواني هذا؛ إذ كيف يكون شراء الكتب واقتناؤها إسرافاً  ينبغي الحذر منه، وقد حث الإسلام على طلب العلم، ووعد العلماء بالدرجات الرفيعة في الدنيا والآخرة؟!

والحقيقة أني ما قصدت -من هذا العنوان- أن الإسراف يشمل أي كتاب ولا قصدت أن تنضوي تحت السرف كل المجلات؛ وإنما الأمر أن وقت فراغ الإنسان محدود، وأن قدرته على استيعاب ما تفرزه المطابع مقصور، وأن المال الذي يملكه معدود. فهو لا يستطيع القراءة في كل كتاب يتمناه، ولا يتوفر له مطالعة كل مجلة تجذبه. ولا يمكنه اقتناء كل ما يصدر من المطبوعات. من أجل ذلك كان على الإنسان أن يتخير بعمق ودقة ما يقرؤه، وأن يفكر ملياً قبل اقتناء ما يعجبه؛ ذلك أن حب الكتب والرغبة في تحصيل العلم يدفعان بالإنسان -أحياناً- إلى الإسراف في شراء المطبوعات ويقودانه إلى اقتناء كل جديد منها، ويجعلانه مقبلاً عليها دون دراسة محتواها أو اختبار مضمونها، أو التفكر بمقدار الفائدة العائدة من ورائها… ولمَّا كان لا يحبذ لمسلم أن يضيع وقته بقراءة قد لا ترجع عليه بالفائدة المرجوة من علم أو خبرة، ولا أن يثقل مكتبته بكتاب مضلل فاسد، ولا أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير فيشتري الكتاب وغيره من الكتب  أفضل منه وأشمل. كان هذا المقال.

*   *   *

فمقالي هذا فيه تحذير من التسرع باقتناء المطبوعات الجديدة، وفيه إشارة إلى ضرورة التأني والتروي قبل شراء أي كتاب، وفيه تنبيه إلى أهمية التمحيص، وإلى أفضلية الانتقاء المبرمج المدروس؛ ليمتلك الإنسان الجيد والنافع من الكتب، ولينتقي المفيد الشائق من المجلات. وهذا تفصيل لما أردته:

1- إن بعض الكتب (التي تشدنا بموضوعاتها) يكون منقولاً عن لغة أجنبية، وكثيراً ما تكون ترجمته تجارية ربحية، أي سيئة من حيث التركيب: فالعبارات ضعيفة والأسلوب ركيك غير مفهوم والأخطاء كثيرة… الأمر الذي يفسد على المسلم لغته العربية ولا يخدم المعنى الذي أراده المؤلف الأجنبي الأصلي. فيفوت على القارئ الهدف الذي وضع لأجله الكتاب. ويضيع منه الوقت وهو يفك طلاسم الترجمة.

2- وتمتاز بعض الكتب بعناوين صارخة وأغلفة ملونة فتبدو جذابة ومقنعة للشاري، لدرجة أنها تصرفه عن محتواها وتلهيه عن تصفحها فيشتريها المرء ليجد من بعد أن العنوان لا علاقة له أبداً بموضوع الكتاب، وأن المحتوى مجرد كلمات لا تجمعها فكرة، ولا يجملها أسلوب، ولا يوثقها نقل. فأي  مكسب نجنيه من أمثالها؟!

3- ومن الكتب ما يكون غلافه لافتاً وعنوانه متخيراً، وموضوعه مهماً (في العقيدة والفرق مثلاً أو في التاريخ)، وإنما كاتبه خبيث يريد الإفساد في الأرض وأن يضل الناس بغير علم. فيضع في ثنايا كتابه، وفي طيات مؤلفه السم إلى جانب الدسم، والمر مخلوطاً بالسكر؛ فيقدم المقدمات الصحيحة ويبدأ بالمسلمات المعروفة، حتى إذا استحكم القارئ، حمله إلى نتائج قد لا ترتضيها الأعراف ولا الأديان ولا حتى العقول السليمة. فهذه ينبغي تجنبها وتنبيه الناس إليها حتى لا يقعوا في شراكها، فيسرفوا في شرائها ويهتموا بقراءتها وهي لا تقود إلا إلى الضلال والانحراف.

4- وبعض الكتاب يختصون بالسرقات الأدبية، فإن لم يسرقوا من كتاب واحد جمعوا الموضوعات بعضها إلى بعض من مجموعة من الكتب ثم نشروها باسمهم، فيأتي القارئ النهم فيشتري الكتاب ويحمله إلى بيته فرحاً متشوقاً إلى مطالعة محتوياته. حتى إذا بدأ بتصفحه فوجئ بأنه قد قرأ هذا الكلام في أحد الكتب. وما هي إلا برهة حتى يتذكر أن هذا أسلوب فلان من الناس، أو هذه أفكار الكاتب المعروف، فيبحث في الكتب ويتتبع الموضوع فيجد أن صاحبنا قد جمع ونقل، ثم بوب ورتب، ثم كتب على الغلاف وبخط كبير من تأليف الدكتور فلان رئيس قسم كذا والأستاذ بجامعة كذا! ولو استغنى بذكر اسمه دون ألقاب ودون مقدمات لكان خيراً له. ولو أنه اكتفى بقوله جمع وترتيب فلان لما استطاع أحد أن ينتقده أو يستخف بعمله فللجمع والترتيب أحياناً فوائد لطلاب العلم. أما هذه الطريقة ففيها خدعة للقارئ الفاهم المتتتبع الذي يميل إلى التجديد والتنويع في مكتبة بيته، وكم يزعجه أن ينخدع بنسخة مزيفة مشوهة لكتاب يمتلك أصله الرائع.

5- ومن المؤلفين من يجهد قارئه حتى يصل به أخيراً إلى الفكرة الرئيسية؛ فهو يدور به، ويحشد الأفكار له، وقد يخرج به عن الموضوع، أو يطيل في الشرح. أو يفسر الواضح ويدع الغامض. أو يهتم بالفكرة الفرعية ويترك الرئيسية. فيضيع القارىء ويتشتت وهو يتتبعه، أو يكد ذهنه ويتعب فكره وهو يلاحق الجمل ويربط العبارات ويجمع النتائج بعضها إلى بعض.

وقد يجد القارئ -بعد هذا العناء- أن الفكرة التي استنبطها من هذا الكتاب متوفرة في كتيب صغير، ومكتوبة بطريقة واضحة سهلة مبسطة، ولو أنه وقع عليه أولاً لوفر على جيبه ثمن هذا الكتاب المعقد، ولوفر ساعة من الوقت أو أكثر، ولأراح ذهنه من الكد والتعب من دون طائل.

ولا ينجو من ذلك بعض الكتب القديمة، ففي بعضها حشو وتعقيد من دون فائدة تعادلهما. كما أن ما يصلح لمكتبة بعض الناس قد لا يصلح لبعضهم الآخر، فبعض أمات الكتب تصعب المراجعة فيها، كما يصعب فهم أسلوبها على عامة الناس. فينبغي لهذا أن يشتري المسلم ما يناسب ثقافته وميوله، وما يستطيع أن يستفيد منه ولو بشكل جزئي.

ولعله من الأفضل للإنسان المؤمن أن لا يقتني من الكتب إلا ما يلزمه ويحتاجه فعلاً لأن الكتب قد وضعت لتقرأ وليستفاد منها كل الفائدة، فهي ليست زينة ولا متاعاً، فإن وجد أحدكم -يوماً- أنه يقتني كتاباً أو أكثر وما عاد إليه مدة، وليس هو مرجعاً، فالأجدر أن لا يعطله عنده. وليقدمه هدية إلى من يمكنه الاستفادة منه، ولا بد أنه سيجد من يستفيد منه فالناس يتفاوتون في ميولهم وأهوائهم وتخصصاتهم.

6- وأمات الكتب لها طبعات متعددة، وهي تتفاوت في الشكل والحجم، وفي جودة الورق من حيث اللون والشفافية… وهذا وإن كان يبدو أمراً شكلياً إلا أنه يؤثر بشكل قوي على القارئ، فيجعله إما مقبلاً على قراءة هذا الكتاب منسجماً معه، أو ينفره منه فلا يميل حتى إلى المراجعة فيه (إلا مكرهاً). ولأمات الكتب عدة تحقيقات، وأحياناً أكثر من شرح، وقد تكون واحدة منها أجود من الأخرى بمراحل، وقد تكون الأجود أرخص سعراً. وهكذا…

فكيف يهتدي كل امرئ هاو إلى هذا وحده ودون الاستعانة بخبير؟ وإلا فإن مكتبته سيكون بعضها غثاء، وبعضها زينة، وبعضها أسفاراً لا تفيد شيئاً… وهذا نوع من السرف وباب من أبوابه التي لا يحبذ للمسلم الولوج منها، ولو أنه استبدل بالكتب هذه (التي لا تفيد كثيراً) كتباً أخرى مختارة لكان خيراً له وأشد تأثيراً في علمه وثقافته وغنى مكتبته. ولساهمت (الكتب المنتقاة) بقوة في توسيع أفقه ومداركه، وفي إثراء أفكاره، وفي إتمام نضجه العقلي بطريقة أسرع وأعمق.

*   *   *

ومن الناس من يتهافت على شراء المجلات الفارغة، والمجلات ليست كالكتب فالمجلة الواحدة تتوالد بسرعة رهيبة، والمجلات عامة تتكاثر بطريقة سحرية وكل مدة تصدر واحدة جديدة… فهي إذن تحتاج مكاناً كبيراً لتخزينها، وهي غالية الثمن. وهي كثيرة الصفحات حتى أنها تعادل كتاباً في حجمها وتخالفه في غناها وقيمتها.

ويجدر الانتباه إلى أن أكثر هذه المجلات تراعي الإثارة في عرض الخبر وتهمل المصداقية. وغالب ما تنشره هذه المجلات مشكلة: فالأزياء ترهق الجيب، والماكياج يتعب البشرة، والمعلومات العلمية غير موثقة، وصفحة الرسم والفنون التشكيلية لا يدرك مواطن الجمال فيها إلا المختصون! والمقالات موضوعاتها فارغة وأكثرها غثاء لا يحمل إلا أخبار الفنانين والفنانات، ولو تتبعناها لما ظفرنا منها بعلم أو فائدة، وإنما بترجمة دقيقة لحياة كل فنان: متى بدأ مشواره… وماهو الطعام الذي يحبه وما هو اللون الذي يعشقه… فإن كان مدمنونها من محبي التراجم فإن الكتب مليئة بقصص الأعلام وحكاياتهم! فلماذا يهتمون بهؤلاء ويدعون سير العظماء من الناس ويغفلون خطوات المبدعين والمخترعين؟! وإن المرء اليوم لم يعد يدري بجاره وآلامه وأحلامه، ولا يجد وقتاً ليعرف أحوال أخته وأخيه بل أمه وأبيه! فكيف يمكنه متابعة أخبار هؤلاء بدقة؟

ومن يدمن على قراءة المجلات يكتفي -عادة- بها عما سواها من الكتب والمراجع، وتبقى هي وحدها مصدر ثقافته وخبرته فينبغي لأجل هذا اختيار المجلات بعمق ودقة، وإن في المكتبات اليوم مجلات جيدة قيمة متميزة فيها التنوع وفيها التسلية الهادفة وفيها المتعة والفائدة، منها الإسلامية، والاقتصادية والعلمية وغيرها، التي تقدم للإنسان ما ينفعه في دنياه من دون أن تضر بآخرته. وفي متابعتها فوائد عظيمة تتراكم مع الأيام لتجعل من قارئها إنساناً مثقفاً واعياً. ولي قريب أدمن عليها قديماً فصار اليوم أعلم العائلة في المجال السياسي والتاريخي والاقتصادي، بالإضافة لما استفاده من وعي ومن بعد نظر.

*   *   *

ويدخل تحت هذا الباب من السرف الإسراف في اقتناء الأشرطة المسموعة والمرئية؛ فالإنسان لا يمكنه أن يحتفظ بتسجيل لكل إصدار أعجبه مهما كان نوعه أومجاله، لأن الإنتاج اليوم غزير، والوقت لايسمح بأن يعود الإنسان إلى كل تسجيل ليسمعه مرات متتالية، كما أن الأشرطة تحتاج إلى مساحة كبيرة للتخزين وإلى شروط جيدة للحفظ، وإلا فإنها ستفسد مع مرور الزمن فلا يمكن -من بعد- سماعها أو الاستفادة منها. لذلك كان من الأفضل والأسلم أن يقلص الإنسان ما يقتنيه من هذه الأشياء -قدر الإمكان- وحسبه ما يحتاجه حقاً وما يفيده في دنياه وآخرته منها، وما يسمح به وقته. وليتخير المسموع منها لأنه أسهل تناولاً فيمكن سماعه في المنزل وفي السيارة وفي أي مكان، فهو أكثر جدوى وفائدة، وليعتن بالموضوعات المفيدة والمهمة منها، وليتردد كل مدة على أماكن بيعها ليتابع الجديد منها. ثم ليتبادلها مع أقرانه وذويه لتتم له ولهم الفائدة.

*   *   *

لقد كان هذا ما أردته من عنواني “الإسراف في شراء الكتب والمجلات”، وما زلت أشرح وأفصل حتى خرجت بمقالة طويلة، ولو سألني مستعجل عن قصدي من هذا المقال لقلت له باختصار: “إن العلم هو أسمى وأمتع وأنفع ما يحصله الإنسان في هذه الدنيا، والعلم لا يكون إلا باقتناء الكتب القيمة وقراءة المجلات الهادفة. فاشتروها واقتنوها وأكثروا منها، وخصصوا لها مكاناً كبيراً مناسباً وفي متناول اليد. ولكن اختاروها بعناية وفاضلوا بينها واهتموا بالفاضلة لتتم لكم الفائدة المرجوة بسرعة وفعالية”.

شاهد أيضاً

444

والإسراف في الطاقة

الكهرباء والنفط والغاز وما شابهها (من مولدات الطاقة) من الاكتشافات العظيمة، والإنجازات الضخمة، التي ميزت ...