سيعاقبك والدك عندما يأتي مساء

(وهي العبارة الأولى في كتابي “عبارات خطيرة”)

 

يزعج الطفل الصغير أمَّه ويسبب لها الضيق، ويمتنع عن الانصياع لأوامرها فلا يحترم رغباتها ولا يلتزم بقيودها، ويعبث بأدوات المنزل ويفسد قسماً منها، ويحرجها أمام ضيفاتها بسلوكه، ويتطاول على جدته بكلامه، ويضرب ويؤذي أخاه الصغير… فلا تؤنبه أمه ولا تعاقبه ولا تضربه، وإنما تقول له وقد نفد صبرها وعلا صوتها: “سيعاقبك والدك عنما يأتي مساء”، أو: “انتظر، وسوف ترى ما الذي سيفعله والدك عندما يحضر”، أو “إن لم تنته عما تفعله لأخبرن والدك بسلوكك ليوقع عليك أقسى العقوبات”، وأمثال هذه من العبارات.

ويستمر الولد في سلوكه العدواني وتستمر والدته في تكرار عباراتها تلك على مسامعه طوال اليوم كما فعلت في اليوم السابق وكما ستفعل في اليوم اللاحق، من غير تغيير يذكر؛ فالأم -غالباً- ما تتسامح مع طفلها -عندما يأتي والده مساء- فتتجاهل الأمر وتتناسى العقاب رأفة بولدها! أو قد تنفذ الأم تهديدها في مرات قليلة فتشكو الصغير إلى والده ليوقع عليه العقاب المنتظر، ولكن هذه المرات القليلة المتباعدة لا تكفي لانصياع الصغير، فتستمر الأم بالتهديد والتوعد اليومي ويبقى الطفل المشاغب بلا عقاب يردعه، وهكذا.

*   *   *

 يعلق الدكتور سبوك على هذا السلوك بقوله: “إن أعداداً كبيرة من الأمهات يقلن لي في دهشة: (إن الآباء يسيطرون على الأبناء بطريقة أفضل من الأمهات). والحقيقة أن الطفل يسمع كلام الأب ويطيع أوامره رغم أن الأب لا يتدخل في شؤون الطفل إلا لمدة دقائق”، ثم يعلله بقوله: “لأن طريقة الأم في معاملة ابنها تفقد فاعليتها، لأنها تعاشر الطفل معظم النهار وتستخدم الكلمات نفسها تقريباً. كما أن الأم نفسها تقول للابن أنها ستشكوه إلى الأب”[1].

من أجل ذلك كانت لهذه العبارات خطورتها: فهي تدل -أولاً- على عدم جدية الأم في إيقاع العقاب؛ وإلا فما الذي يحول دونها ودون طفل صغير أذنب فاستحق العقاب؟ ولماذا تتسامح مع ولدها أحياناً؟ ولماذا تنتظر حضور والده ليعاقبه؟

*   *   *

وتدل هذه العبارات -ثانياً- على اتكالية الأم على الأب في أمر يخصها، بل هو من أهم مهامها: “التوجيه والتربية”، ففي هذه العبارات تخلٍّ من الأم عن حصتها من مسؤولية التربية وفيها ترك للأمانة: “الأم راعية في البيت ومسؤولة عن رعيتها”، والأولاد هم رعية الأم وعليها أن تقوم عليهم وحدها في غياب والدهم فتغرس المبادئ والدين والأخلاق، وعليها أن تقوّم سلوكهم بنفسها وتعدل طباعهم بمعرفتها، فلا ينبغي أن تترك ولدها يسرح ويمرح في البيت ويؤذي من حوله دون أن تبادر إلى منعه وتوجيهه وتهذيبه وتأديبه.

*   *   *

  وهي توحي -ثالثاً- بضعف الأم وتكرّس هذا الضعف في نفس الطفل وعقله اللاواعي. فكيف سيحسّ الطفل بقوة أمه إن كانت عاجزة عن إنزال أي عقاب به ولو كان بسيطاً، وهو يستحق أقسى العقاب؟

فلا بد لها من الاستعانة بالعقاب (في موضعه الصحيح)، وليس شرطاً أن تضرب ولدها أو أن تقسو عليه، فالنظرة تكون كافية في كثير من الأحيان، وللكلمة تأثيرها العميق في أغلب الأوقات. وعلى الوالدة أن تتدرج في العقاب وأن تقدر للذنب قدره فتعاقب حسب حجم الذنب لا بمقدار غضبها وانزعاجها! إنما المهم أن تعاقب طفلها بنفسها من دون مساعدة والده، وعليها أن تعتمد هذا المنهج في غالب الأحوال، وفي المشكلات اليومية المتكررة، حتى لا تفقد هيبتها أمام ولدها، وحتى لا تفقد مكانتها، وحتى لا تفقد سلطتها، فإنها إن فعلت خسرت الكثير وصعبت عليها عملية التربية والتوجيه.

*   *   *

 والأم هي التي عاينت الذنب بنفسها وشهدت الخطأ بعينها فهي أكثر تقديراً من والد الطفل بمقدار العقاب الذي يستحقه طفلها، فقد يعاقبه والده عقاباً صارماً، أو قد يضربه ضرباً مبرحاً لا يتناسب مع الذنب الذي فعله فيفقد العقاب أهميته في عملية التربية، ويصبح أمراً مألوفاً وشراً لا بد منه!

*   *   *

وقد توحي هذه العبارات للطفل -أخيراً- بأن والده مخيف ومرعب؛ فهو الذي يعاقب، وهو الذي يوبخ، وهو الجلاد الذي يضرب. فيهابه خوفاً منه لا تقديراً واحترماً له، الأمر الذي يوجد فجوة بين الابن وأبيه ويمنع التواصل بينهما ويقف عائقاً أمام علاقة أبوية ناجحة مثمرة.

*   *   *

 ولا تنسوا -بعد ذلك كله- أن ترك العقاب للأب (حين يعود إلى البيت في المساء) فيه تأخير للعقاب وفصل طويل له عن زمن وقوع الذنب الموجب له، وعلماء التربية يؤكدون على وجوب إيقاع العقاب بالطفل فور وقوع الذنب: “ومما وجده ثورنديك وغيره أن أثر الجزاء -ثواباً كان أم عقاباً- يبلغ أقصاه حين يعقب السلوك مباشرة، ولكن أثره يضعف كلما طالت الفترة بينه وبين السلوك. فلكي يكون الجزاء مثمراً يجب أن يكون عاجلاً مباشراً، أو على الأقل لا يكون متأخراً إلى حد كبير -خاصة مع الأطفال- فخير الجزاء عاجله”[2]، فإن تأخر العقاب نسي الطفل الذنب الذي فعله ولم يتضح له سبب العقاب، الأمر الذي لا يفيده في الإقلاع عن الذنب بل يشعره بالظلم والاضطهاد.

*   *   *

أرأيتِ أيتها الأم أي أثر خطير تركته هذه العبارات؟ فاجعليها في قاموسك من المحرمات، وإياك -في أي يوم كان- أن يسمع منك طفلك هذه الجملة: “سيعاقبك والدك عنما يأتي مساء”، أو: “انتظر، وسوف ترى ما الذي سيفعله والدك عندما يحضر”، أو “إن لم تنته عما تفعله لأخبرن والدك بسلوكك ليوقع عليك أقسى العقوبات”، …، وتذكري أنك -حين تفعلين ذلك- تتخلين عن سلطتك وقدرتك على الضبط والتوجيه، فربما غاب الأب يوماً (في سفر) أو ضَعُفَ (في مرض) فتفتقدين السلطة فلا تجدينها، فيومئذ تندمين حيث لا ينفع الندم وتأسفين حين يكون الداء قد تجاوز القدرة على العلاج!

*   *   *

 


[1] دكتور سبوك: حديث إلى الأمهات ص506.

[2] د.أحمد عزت راجح: أصول علم النفس ص226.

شاهد أيضاً

IMG_4716

“إن أزعجتني سآتيك بالطبيب ليؤلمك بإبرته”

أسلوب التهديد من الأساليب التربوية المعروفة الناجحة، وكثيراً ما تحتاج الأمهات إلى تهديد الطفل وتخويفه ...