يجب أن تكون الأول دائماً!

(وهي العبارة الثالثة في كتابي “عبارات خطيرة”)

 في كل بيت -تقريباً- طلاب وطالبات في مراحل دراسية مختلفة، منهم من جعل التفوق هدفاً وغاية؛ لأن من ورائه آباء وأمهات لا يقبلون بغير الأولية، ولا يرضون إلا بأعلى الدرجات.

من أجل ذلك يبدأ هؤلاء الطلاب المتفوقون عامهم بالتوتر، وينهونه بالتوتر وهم مترقبون حذرون، قد وضعوا عبارة والديهم: “يجب أن تكون الأول دائماً” نصب أعينهم، فعملوا لها ودأبوا عليها وانكبوا على الكتب -على الغالب- من أجلها، فحفظوا المناهج دون فهم، ودرسوا المعلومات دون تعمق لأن هدفهم وغايتهم أن يتفوقوا وأن يكونوا الأوائل، فكانت هذه هي النتيجة الأولى الخطيرة لهذه العبارة: “الدراسة من أجل التفوق لا من أجل الفهم والاستزادة من العلم”.

*   *   *

وبتأثير هذه العبارة: “يجب أن تكون الأول دائماً” صار هدف بعض الطلاب أن يكون الأول على صفه أو على مدرسته، فهو يهتم جداً بلقب ((الأول)) ويسعى إليه قدر استطاعته، لكنه لا يأبه كثيراً أن يصل إلى أعلى مستوى ممكن ولا أن يحصل على أعلى مجموع؛ إنما يعتمد على مقارنة نفسه بطلاب سنته الدراسية ثم يجتهد بالقدر الذي يؤهله للتفوق عليهم؛ لأن عبارة والديه: “يجب أن تكون الأول دائماً” تحتم عليه أن يسبق هؤلاء دون غيرهم فهذا هو مجال التنافس وهذه هي حلبة التفوق، فإن تفوق عليهم -ولو بمجموع قليل وجهد يسير- كان نجيباً ورائعاً، وقد فاز طالب بلقب ((الأول)) مع أن مجموع درجاته ما تجاوز التسعين بالمئة! ففرح فرحاً عظيماً، وحزن آخر حزناً شديداً لأن زملاءه تفوقوا عليه وقد تجاوز تقديره النهائي ستاً وتسعين من المئة بثمانية أعشار!

فبتأثير هذه العبارة تغيرت المفاهيم وتبدلت الحقائق لدى بعض الطلاب، فكانت هذه النتيجة الثانية الخطيرة: “الرضا والفرح بالمجموع القليل إن أدى إلى لقب الأول. والحزن والهم من الدرجات العالية إن لم تؤدِّ إلى لقب ((الأول))!

*   *   *

وقد شجعت هذه العبارة سلوكاً منافياً للإسلام هو الغش، فصار الطلاب لا يجدون ضيراً في فتح الكتب أثناء الامتحانات، ولا يتأخرون عن النظر إلى ورقة غيرهم، ولا يتأسفون على سرقة جهد غيرهم من المجتهدين، ثم يتفاخرون بالنتائج المزيفة التي حصلوا عليها!

*   *   *

 وأدت هذ العبارة: “يجب أن تكون الأول دائماً” إلى التنافس الشديد بين الطلاب الذين يسعون للأولية، فكلهم يسعى إلى مرتبة ((الأول)) ولن ينالها على الأغلب إلا واحد منهم، وهنا يكمن الخطر الحقيقي في هذه العبارة؛ إذ جعلت التنافس بين مجموعة من الطلاب على مرتبة واحدة لا غير، فأصبح اهتمام كل طالب متفوق منصباً على إزاحة الباقين للتفوق عليهم، الأمر الذي جعل المنافسة غير شريفة وغير إنسانية، حيث أفسدت المنافسة المحمومة العلاقات الاجتماعية بين الطلاب وأوجدت الحقد والحسد والكيد والكراهية بينهم. وإليكم ما قالته لي أم لواحد من هؤلاء المتفوقين في هذا المقام: “إن ولدي يقضي أيام الامتحان كلها بالدعاء على منافسه على ((الأولية)) بالمرض الأليم الذي يقعده عن الدرس، أو بحادث خطير يصرفه عن حضور الامتحان، أو بالموت المحقق حتى يتخلص من منافسه إلى الأبد!”.

وقد ورد هذا في كتب علم النفس: “التنافس بطبيعته يحمل في ثناياه قدراً كبيراً من الكراهية المدمرة، وبهذا يكون عامل هدم وتحطيم للعلاقات الإنسانية الطيبة في الصف أو المدرسة بأسرها… الواقع أن التنافس هو في جوهره صراع يستهدف الانتصار والتفوق على الغير، ويتضمن إحباط نجاح الغير وجهوده؛ أي يتضمن تعارض المصالح. وكثيراً ما يرى المتنافس في منافسيه أعداء له، أو على الأقل حجر عثرة في سبيل تقدمه، وقد يصبح التنافس محقق الضرر وباعثاً على الحسد والبغضاء وثبوط الهمة في أحوال معينة…”[1].

*   *   *

ومن خطورة هذه العبارة “يجب أن تكون الأول” أيضاً أنها ذهبت بروح التعاون والمشاركة والاهتمام بالغير والذي يجب أن يتوفر في كل مكان حتى في المدرسة بين الطلاب، وألغت إغاثة الملهوف، وتفريج الكرب وغيرها مما أمر به الإسلام؛ فنرى ((الأول)) -على الأغلب- مستأثراً بكتبه ودفاتره لا يُطلع عليها أحداً، ولا يساعد زملاءه على فهم ما صعب عليهم، ولا يشرح لهم ما استشكل خوفاً من تفوقهم عليه.

ولذلك فليس غريباً أن يكون بعض الأوائل غير محبوبين؛ لأنهم متكبرون ومتعالون على إخوتهم من الطلاب.

*   *   *

فلنمتنع -إذن- عن ترديد هذه العبارة “يجب أن تكون الأول دائماً” ولنستبدل بها عبارة أخرى: “يجب أن تفهم المنهج جيداً. ويجب أن يكون مجموع علاماتك في أعلى مستوى ممكن”، وبذلك يتحول الأمر من تنافس بين الطلاب بعضهم مع بعض إلى تنافس بين الطالب وبين المجموع النهائي، فتقل الأحقاد بين الطالب وإخوته الطلبة، ويصبح الصراع بين كل طالب وبين الدرجة العليا، فيسعى الطالب إلى المعالي بدل أن يسعى إلى إزاحة إخوته الطلاب، ويكون التحدي بهذا المسلك أبعد عن المشاحنة والبغضاء والكراهية. ثم لنجتهد -بعد ذلك كله- في حث أبنائنا الطلاب على حب الخير للآخرين بالفرح لما يفرحهم وبالسرور لما يسرهم، فيتمنون لغيرهم ((الأولية)) كما يتمنونها لأنفسهم، ويهنئون من تفوق عليهم بغبطة وبهجة لا بحسد وحقد.

*   *   *

وأخيراً لنعلم أولادنا أن يبذلوا غاية جهدهم فيجتهدوا ويدرسوا ويراجعوا، ثم يتركوا الأمر لله فلا يحزنوا ولا يبتئسوا إن فاتتهم ((الأولية)) لأن الأمر كله بيد الله. والله هو الذي ييسر الخير والدرجات لكل طالب بحسب علمه وحكمته، وبحسب نية الطالب، وبحسب عمله، ثم بمقدار توكله ودعائه.

أيها الآباء والأمهات (آباء وأمهات الطلاب المتفوقين)… نهنئكم على تفوق أولادكم، وإنه لشيء رائع أن تكونوا آباء للمتفوقين، لكن الأروع منه أن يتفوق أولادكم في علمهم، وفي علاقاتهم الاجتماعية مع إخوتهم الطلاب بكسب ثقتهم ومحبتهم واحترامهم، وفي دينهم وخلقهم الإسلامي الرفيع فيتمنوا الخير لغيرهم كما يتمنونه لأنفسهم، ويذروا ما يؤدي إلى التحاسد والتباغض؛ وإن هذا لهو التفوق الحقيقي، وإن هذه لهي أعلى الدرجات.

*   *   *

 

 


[1] د. أحمد عزت راجح: أصول علم النفس ص228.

شاهد أيضاً

IMG_4716

“إن أزعجتني سآتيك بالطبيب ليؤلمك بإبرته”

أسلوب التهديد من الأساليب التربوية المعروفة الناجحة، وكثيراً ما تحتاج الأمهات إلى تهديد الطفل وتخويفه ...

2 تعليقات

  1. غير معروف

    شكراً جزيلاً مقالاتك واقعية وتلامس حاجاتنا بكل صدق وامانة بارك الله فيك