يجب أن تكون طبيباً أو مهندساً

كانت أقصى أماني الأمهات -عندما كنت صغيرة- أن يكون أولادهن أطباء أو مهندسين ليس إلا، وكانت الأمهات تجاهد مجاهدة عظيمة في سبيل تحقيق هذه الأمنية، فتبدأ منذ السنوات الأولى بغرس هذه المفاهيم في ذهن طفلها، وتكرر هذه العبارة: “يجب أن تكون طبيباً أو مهندساً” بكثرة أمامه، وتعمل على تحبيب هاتين المهنتين إليه عن طريق الكلام عن فوائدهما، وعن عائدهما المادي، وعن الاحترام والتقدير اللذين سيحظى بهما من امتهن إحدى هاتين المهنتين.

ستسألنني: ولكن أين الخطورة في هذه العبارة؟ وما المانع أن يكون ولدنا طبيباً أو مهندساً؟ وسأجيب بما يلي:

1- الخطر الأول في هذه العبارة أننا حصرنا المهن الرفيعة في مهنة الطب ومهنة الهندسة، وشددنا على هذا حتى تصاغرت المهن الأخرى وتضاءلت أمام هاتين المهنتين، وقل شأن ممتهنيها، وانحطت مرتبتهم الاجتماعية عن الأطباء والمهندسين.

ولمَّا كان من غير المعقول أن يمتهن الجميع الطب أو الهندسة، بقينا بين أمرين أحلاهما مُرّ: إما أن يصير الولد طبيباً أو مهندساً فيعتقد أنه فاز ووصل. وإما أن يفشل في امتهان إحدى هاتين المهنتين فيشعر طيلة حياته بالأسى والدونية.

*   *   *

2- والخطر الثاني أننا أجبرنا أبناءنا أدبياً، وأقنعناهم لا شعورياً بالإقبال على إحدى هاتين المهنين دون اهتمام بميولهم ورغباتهم وأحلامهم، مما قد يتسبب في تعثرهم أثناء الدراسة، ثم في خطئهم أو فشلهم أثناء تأدية المهنة.

وقد عرفت أماً كانت تحلم أن يكون كل أولادها أطباء، وعملت على غرس هذا المفهوم في كيانهم، فاقتنعوا بكلامها وظنوا أنهم يرغبون بإحدى هاتين المهنتين فعلاً، وبدؤوا الدراسة: فكان أن خسر كبيرها سنة من حياته حين اضطر إلى تقديم امتحان الثانوية العامة من جديد لأن مجموعه الذي بلغ التسعين لم يؤهله لدخول كلية الطب! ثم خسر سنتين أخريين عندما رسب. وحتى لا يخسر ولدها الثاني (والذي حصل أيضاً على مجموع يقارب التسعين) عاماً من حياته، غادر أهله إلى جامعة بعيدة ليدرس الهندسة، وقد عانت أمه الأمرين بسبب بعده عنها، وتحمل هو من مشاق الغربة، ثم وعندما تخرج عمل في التجارة، وما استفاد يوماً من شهادته تلك لأنه درس الهندسة بإيعاز من أمه وما أحبها (أي الهندسة) يوماً! وفشل أولادها الباقين وتعثروا، ولو تركوا لميولهم ورغباتهم لأبدعوا ولأفادوا المجتمع بطريقة أفضل.

*   *   *

3- ويكمن الخطر الثالث لهذه العبارة “يجب أن تكون طبيباً أو مهندساً” في أنها تؤدي إلى فساد العلاقات الاجتماعية بين الطفل وأقرانه فهو لا يختلط بهم ولا يفهمهم ولا يشترك معهم في نشاطاتهم لأنه مشغول بالدراسة وجمع العلامات ليكون طبيباً أو مهندساً، فينشأ جاهلاً طرق تفكير الآخرين ومهملاً ومستخفاً بمشاعرهم وأحاسيسهم.

ولا يمكن للإنسان أن يعيش وحيداً مستغنياً عن الناس بطبه وعلمه ونجاحه، فهذا غير معقول ولا منطقي لأن الدنيا متشابكة المصالح ولا تقوم السعادة الاجتماعية ولا يتحقق النجاح إلا بالعلاقات الجيدة والصداقات القوية والصلات المتينة، وبالتعاون وتبادل الخبرات والمصالح.

*   *   *

4- وإن هذه العبارة “يجب أن تكون طبيباً أو مهندساً” تشجع الإنسان كي يعمل لنفسه وحدها، وليرى مصلحته دون سواها، وليهتم ببناء مستقبله غير عابئ بحاجات مجتمعه، فتربي الأنانية والروح الفردية.

ففي هذه العبارة حث للابن على امتهان الطب أو الهندسة ليحظى باحترام الآخرين وتقديرهم وليكون ناجحاً ومشهوراً وغنياً. وليس ليكون -بالإضافة إلى هذا- فرداً فعالاً عاملاً نشيطاً ، ولا ليكون إنساناً رحيماً شفوقاً عطوفاً يساعد الناس حوله، ولا ليكون مسلماً خلوقاً يغيث الملهوف ويزيل كرب المكروب، ولا ليكون مؤمناً مثالياً يخدم المسلمين ويهتم بأمرهم، إذ على كل مسلم أن يعمل ما يستطيعه ليكون فعالاً وليدفع بالمجتمع إلى الأمام.

يقول د. أمين المصري في هذا المقام: “وانتزع محمد r أصحابه من حمأة الجاهلية وأنشأ مجتمعاً لا يعيش الفرد فيه لنفسه بل لربه ثم لإخوانه. أما التربية التي نتلقاها اليوم فهي تهيب بالفرد أن يحرص على منفعته، يلقن الطفل منذ حداثته بأنه سيدخل المدرسة وسيجد للحصول على الشهادة وسيكون طبيباً أو مهندساً؛ كل هذا لينعم بالعيش ولتفتح أمامه سبل الحياة. ويشهد الطفل ما تعانيه الأم لأن ولداً من أولادها لم يفلح ولم ينجح في الحصول على الشهادة الثانوية مثلاً، ولا يسمع الطفل في مجتمعنا هذا كلمة حزن على هذه الأمة، ولا يضرب للطفل أي مثل من أمثلة الجهاد ليقتدي به. وهكذا ينشأ الطفل وقد ملأ سمعه وبصره وخالط كل ذرة من ذرات قلبه ونفسه الحصول على الشهادة في سبيل العيش”[1].

*              *     *

فاتركي ولدك كي يختار بنفسه المهنة التي يحبها ولا تضيقي عليه، وإن رأيت مساعدته في الاختيار فاختاري له ما يناسب ميوله وقدراته. أو اختاري له المهنة التي يحتاجها الناس أكثر من غيرها.

وإن أردت له النجاح والشهرة والمال فلقنيه الإخلاص، وعلميه الإتقان. وحببي إليه الناس وحثيه على الإحسان إليهم والتسامح معهم، لأنهم هم القضاة الذين سيحكمون له أو عليه بالنجاح أو الفشل.

وأذكرك -أخيراً- بأن التقوى وخوف الله هما القاسم المشترك الأعظم بين جميع المهن، فاحرصي عليهما أشد الحرص إن أردت لولدك التوفيق والتفوق في الحياة، فهما سر التوفيق، ودافع التفوق، وهما الطريق الوحيد إلى سعادة الدنيا والآخرة.

(وهي العبارة السابعة في كتابي “عبارات خطيرة”)

شاهد أيضاً

IMG_4716

“إن أزعجتني سآتيك بالطبيب ليؤلمك بإبرته”

أسلوب التهديد من الأساليب التربوية المعروفة الناجحة، وكثيراً ما تحتاج الأمهات إلى تهديد الطفل وتخويفه ...