هذا الجيل متفرد بذكائه وقدراته

منذ سنوات قليلة انتشرت بعض الإشاعات التي تؤكد أننا أمام جيل رهيب متفرد، جيل خارق الذكاء ومتعدد القدرات والمواهب، وكم أتحفتني الأمهات في المجالس -وأمام أولادهن- بالكلام عن ذكاء هذا الجيل وعبقريته، وكم سردن علي من القصص والحوادث التي تؤكد هذا الزعم وتدلل على صحته، وكم كررن هذه العبارة خلال حديثهن: “هذا الجيل متفرد متميز، فهو ذكي قوي عنيد جريء…” وهن يحسبن أنهن على الحق، وأنهن وبترديد هذه العبارة يدفعن أولادهن  إلى المزيد من النجاح الباهر والتفوق الخارق.

أما أنا فكنت أخالفهن الرأي، فما لمست تفرد الجيل الذي تحدثن عنه ولا شعرت بتميزه، بل وجدته جيلاً عادياً شأنه شأن أي جيل سبقه؛ فيه النابغة والمتخلف والذكي والغبي والقوي والضعيف… ولذلك كنت لا اكترث بما تذكره الأمهات عن عبقرية أولادهن، ولا أصدق ما يقلنه عن ذكاء هذا الجيل وتفرده، إنما كنت أسرح بعيداً مشغولة بمضمون هذه العبارة، ومنزعجة من انتشارها بهذه السرعة بين الأمهات، ومتوجسة من تكرارها وكثرة الكلام فيها، وقلقة من آثارها السيئة ومن ضررها وخطرها علينا وعلى أبنائنا من بعدنا إن استمرت الأمهات في ترديدها، وإليكن الأسباب:

-إن عبارة “هذا الجيل متفرد” ليس لها ما يساندها من دراسة أو استقراء أو أي دليل آخر، وكل الآباء اليوم يزعمون أن أولادهم متفردون! ورغم ذلك لم نحظ -ومنذ مدة- بعالم أو بطالب متميز أو بمكتشف أو بمبدع في المجالات العلمية… فالخوف أن نكون -نحن الأمهات – قد افترضنا أمراً ثم صدقناه  وعممناه دون دليل أو برهان، وظن أولادنا -من بعدنا- أنه الحق بعد أن أوحينا لهم به وبعد أن قطعنا أعناقهم بترديدنا هذه العبارة “هذا الجيل متفرد”، ففرحوا وقعدوا عن الجد والتشمير معتمدين على تميزهم هذا وعبقريتهم تلك، متناسين أن الظن لا يغني عن الحق شيئاً.

فلننس هذه العبارة إذن، ولنكف عن تكرارها ولنتوقف عن ترديدها أمام أبنائنا -إلى أن نتأكد من صحتها- حرصاً على مستقبلهم، واحتراماً لمشاعرهم فلا نصدمهم ولا نحبطهم عندما يكبرون ويكتشفون مبالغاتنا في تقدير قدراتهم ومواهبهم!

ولو افترضنا جدلاً أن هذه العبارة صحيحة، فإن الركون إليها والاعتماد على القدرات الموهوبة دون العمل الجاد المثمر يميت أي إبداع، ويقتل أدنى نبوغ، فالنبوغ والإبداع تلزمهما العناية والرعاية والدراسة والاطلاع حتى يؤتيا أكلهما، فإن كان الجيل متميزاً فعلاً فلنستفد من هذا التميز بهدوء وبتخطيط، وبترديد عبارات هادفة تثير الفاعلية والنشاط وتحث الأبناء على الاستفادة من هذا الذكاء في شتى الميادين.

-وهذه العبارة خطيرة لأنها جعلت الأمور تختلط على بعض الأمهات وتتشابه، إذ عجزت ثلة من الأمهات عن الفصل بين الصفات الجيدة المطلوبة وبين السلوك السيء المذموم؛ فما عاد هؤلاء الأمهات يدركن الفرق بين الذكاء المحبب وبين التحايل والمكر المكروه شرعاً. وما عدن يميزن بين القوة التي امتدحها الإسلام وطالب المسلم بالتحلي بها وبين الظلم والتعسف والاعتداء على الغير. وما عدن يميزن بين ضرورة التمسك بالمبادئ والثبات عليها، وبين التمرد والتعنت والإصرار على الرأي والسلوك ولو كان فاسداً. وما عدن يميزن بين الجرأة في قول الحق ولو أمام سلطان جائر، وبين وجوب البر  والطاعة وخفض الجناح للوالدين… فبعض الأمهات تشجع كل سلوك تحسبه نبوغاً، وتمتدح كل فعل تراه مختلفاً، وهي فرحة مستبشرة بتميز ولدها وذكائه، ثم نقلت عدم التمييز هذا إلى الأبناء فصار الأولاد يتباهون بالمنكرات ويتفاخرون بإيذاء الناس و… وهم يحسبون أنهم يفعلون ذلك لا لأنهم جاهلون غافلون منحرفون إنما لأنهم متفردون! فهم أذكياء وأقوياء و… وقد أساءت هذه الفئة التي تحسب نفسها متفردة إلى الناس وتسببت في انحراف المزيد من الشباب، فأي سوء جلبته إلينا هذه العبارة: “هذا الجيل متفرد”.

-ولعل الصراع بين الأجيال موجود في كل المجتمعات، واعتراض الأبناء على قيم الآباء أمر معروف يشتكي منه المربون، ولذلك كانت لهذه العبارة خطورة تشبه سابقتها: إذ يعتقد المراهقون اليوم أنهم أولى بأنفسهم لأن آباءهم لا يفهمونهم، فهم خلقوا لزمن جديد وآباؤهم خلقوا لزمن مضى، ولهذا لا يدرك آباؤهم المستجدات ولا يفهمون الحاضر ويجهلون الكثير من التكنولوجيا، بل ما زالوا يحملون القيم القديمة والعادات والتقاليد البالية! ولا يعرفون أن الزمن قد تغير تغيراً يكاد يكون جذرياً… فإن كررنا هذه العبارة “هذا الجيل متفرد” أمام  الأبناء رسخنا في نفوسهم هذه الأفكار المنحرفة فظنوا أنهم  بتميزهم وذكائهم وقوتهم وعنادهم وجرأتهم… باتوا أقدر منا على تقدير العواقب، وأصبحوا أكثر منا قدرة على محاكمة الأمور، وأضحوا أسلم منا منهجاً وسلوكاً وعلماً في فقه الحياة… فإذا بهم يسألوننا الحرية الكاملة قبل أن يكونوا أهلاً لها، ويطالبوننا بالاستقلال الفكري والحق في تقرير المصير! ويتوقعون منا بعد هذه العبارة أن ننصاع إلى رغباتهم تلك راضين مختارين، لأنهم يظنون أن ذكاءهم يغلب خبرة وحكمة وتجارب والديهم، ويلغي القيم والأخلاق والأعراف التي يلقنونهم إياها، فيرفض الأبناء كل شيء، ويتمردون على القيم الرفيعة، ويستخفون بالأخلاق العالية، ويتطاولون على الأعراف والتقاليد المحمودة… وينادون بالتجديد والتحديث، جاهلين أن الدين والقيم والأخلاق ثوابت لا تتغير ولا تتبدل مهما تقلب الزمان وتطور وارتقى أفراده، وهذا سبب (من عدة أسباب) لما يحدث اليوم في مجتمعاتنا، من استخفاف بتوجيهات الوالدين، والتقليل من شأن القيم الدينية والخبرات الاجتماعية… فلنحذر من  هذه العبارة: “هذا الجيل متفرد” وأمثالها حفاظاً على أبنائنا، وحفاظاً على الدين والقيم والأخلاق.

(العبارة الخامسة من كتابي “عبارات خطيرة”)

شاهد أيضاً

IMG_4716

“إن أزعجتني سآتيك بالطبيب ليؤلمك بإبرته”

أسلوب التهديد من الأساليب التربوية المعروفة الناجحة، وكثيراً ما تحتاج الأمهات إلى تهديد الطفل وتخويفه ...