“إن أزعجتني سآتيك بالطبيب ليؤلمك بإبرته”

أسلوب التهديد من الأساليب التربوية المعروفة الناجحة، وكثيراً ما تحتاج الأمهات إلى تهديد الطفل وتخويفه بشيء ما ولعدة مرات قبل إيقاع العقاب عليه، وكانت بعض الأمهات -قديماً- تهدد أولادها بالجن والعفاريت والوحوش، واليوم وبعد تطور العلوم وتقدم الكشوف صارت الأم تهدد أولادها بإبرة الطبيب الفظيعة المؤلمة، وأحياناً بالحشرات البشعة المؤذية، ومرات أخرى بالشرطي… وبغير ذلك من الأشياء التي تتصورها الأمهات مخيفة أو مؤلمة لطفل صغير، ونظراً لحيوية الأطفال الزائدة، ولطبيعتهم المتمردة المشاكسة تضطر الأم إلى ترديد هذه العبارة “إن أزعجتني سآتيك بالطبيب ليؤلمك بإبرته” وأمثالها مرات عديدة على مسامعهم في اليوم الواحد تخويفاً وردعاً لهم، وتخلصاً من ازعاجهم وصخبهم. فهدف الأم من التهديد بهذه العبارة وأمثالها الوصول إلى منافع عاجلة مثل السيطرة على الخلافات والحد من المشكلات، أو السرعة في أداء الأعمال والواجبات، أو الحصول على الطاعة المطلقة… وذلك عن طريق إغراق الصغار بمشاعر الخوف والرهبة من أمور يجهلون حقيقتها، لينصاعوا مسرعين وجلين للأوامر دون اعتراض أو تذمر… فما وجه الخطورة في هذه العبارة؟

-نحن راعيات في بيتنا ومسؤولات عن رعيتنا، فلا يجوز لنا أن نلقن أبناءنا وبناتنا معلومات خاطئة، ولا حقائق واهية مخالفة للواقع والحقيقة؛ فالطبيب إنسان رفيق رحيم يساعد الناس ويجتهد في دفع المرض عنهم ومعالجتهم، وليس بالجلاد الذي يؤذيهم ويزيد معاناتهم. ونحن نشوه بهذه العبارة أيضاً حقيقة الإبرة ونجعلها أداة لإرهاب الطفل وأذيته ومادة تسبب له القلق والخوف، بينما جعلت الإبرة لتحمل الدواء إلى أجسامنا ولتكون بذلك وسيلة مفيدة وهامة لا يمكن إلغاؤها ولا الاستعاضة عنها في بعض الحالات، فكيف نغير الحقائق ونقلبها بأمثال هذه العبارات.

-الطفل يصدق كل ما يقال له، ويعتبر والديه مثله الأعلى، ويظن أن أقوالهم هي الحقيقة المطلقة، فإذا عرف يوماً حقيقة إبرة الطبيب وما شابهها شعر بالارتياب والضيق لأن أمه  قد خدعته، وقد يزعزع هذا ثقته بوالدته، ويجعله يشك بعدها في كل حرف يسمعه منها، فينبغي على الأم ألا تكذب على ولدها مستعجلة انصياعه وسماعه لأوامرها لأن في هذا تجاهلاً لخطر كبير ولضرر عظيم سوف يحيق بسمعتها لاحقاً، إذ سيتصور الابن بعدها أن أمه كاذبة في كثير مما تقوله، فينصرف عن أقوالها، ولا يأخذ عباراتها مأخذ الجد ولا يسمع كلامها، مما قد يتسبب في إلحاق الأذى به أو الإضرار بجسده.

-وقد يتعلم ولدها من وراء هذه العبارة الكذب  ليحصل هو الآخر  على منافع عاجلة، وهذا خطير فالكذب خلق ممقوت نهى الإسلام عنه نهياً شديداً وحذر المسلمين من اللجوء إليه مهما كانت الأسباب والدوافع.

-قد يكون من المستحيل أن تنفذ الأم تهديدها هذا، فهي لن تأتي بالطبيب إلى المنزل ليعاقب ابنها بإبرته، لكن من السهل أن نخوف الطفل بهذه العبارات وأمثالها وأن نجعل منه إنساناً جباناً، وإليك التعليل: “الخوف في الأصل ظاهرة طبيعية موجودة عند الإنسان لتحميه من الأذى والموت: {إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً}[1]، وظاهرة الخوف موجودة عند الطفل بشكل خاص فهو يخاف من الغرباء، ويرتعش عند حدوث ضجة مفاجئة، ويجفل من التغيير الطارئ، ويحذر من الحشرات والحيوانات… ثم يبدأ الطفل تدريجياً في فهم العالم حوله، ويحس ويرى ما يجري حوله وما يحيط به، لكن قدرته العقلية قاصرة عن فهم الأمور جيداً وربطها بالأسباب والنتائج، ولهذا تختلط الأشياء في ذهنه وقد تكبر -إن ساهمنا نحن بتكبيرها- لتولد له الشعور بالخوف، ولذلك قد يخاف الصغير من أشياء لا تخيف، وقد يرتعد من كل أمر”.

الخوف إذن موجود في غريزة الطفل، ومن السهل أن تأخذ الأوهام والتهيؤات إلى نفس الطفل سبيلاً، وأن تترسخ في نفسه وفي عقله الباطن، وتتعمق داخلاً، وتتغلغل في كيانه بيسر، لتجد مرتعاً خصباً فيخاف الولد ويقلق بشدة وبطريقة غير طبيعية لأوهى الأسباب، فإن رددنا هذه العبارة “سآتيك بالطبيب ليؤلمك بإبرته” وأمثالها أمامه وسعنا دائرة الخوف عنده بدل أن نقلصها وجعلناه إنساناً جباناً يخشى كل شيء، وربطناه بالأوهام والأكاذيب، فيتغلب عليه الهلع من كل شيء غامض حوله، ويفتقد الشجاعة  أمام الأشياء المبهمة، ولا  يجد الجرأة الكافية ليتخطى العقبات والمواقف الصعبة، ويصدق كل الخرافات التي يسمعها وتنتابه الكوابيس المزعجة، وقد يتخيل الشجرة المتمالية وحشاً يتحرك، وقد يظن الأشكال والأشياء أشباحاً تسبح في الظلام…

وقد تسيطر عليه المخاوف تماماً فتجعله مضطرب الأعصاب متوجساً من المجهول فهو لم ير إبرة الطبيب ولا الوحوش لكنه خائف مترقب حذر. فإذا احتاج يوماً إبرة الطبيب أو شيئاً مما يهابه ظهرت مخاوفه، وبرزت عقدته إلى السطح، وكانت ردود فعله صارمة مفاجئة وغير طبيعية. وقد ينسى الولد هذه التهديدات ويتجاهلها، ولكن أثرها يستمر في عقله الباطن، وتظل المخاوف كامنة في داخله راكدة مدة من الزمن لتظهر فجأة في مناسبة ما لاحقاً، فتسبب له متاعب نفسية جمة وأمراضاً عصبية.

فيجب أن نقنع أبناءنا منذ الصغر بأن مخاوفهم وهمية لا أصل لها، ونتظاهر أمامهم بالشجاعة ولو كنا خائفات بدل أن نبذر نحن فيهم الهلع والرعب، وعلينا أن نزرع فيهم الإقدام والشجاعة، ونبعد عنهم العقد النفسية ليستطيعوا مواجهة الحياة بمشاكلها وأخطارها، وليتحملوا شدائدها وأهوالها.

إن هذه العبارة تكون في كثير من الأحيان عديمة الجدوى وغير فعالة في إجبار الأولاد على الانصياع للأوامر، لكنها وعلى الأغلب تخلق للأم مشكلة جديدة هي في غنى عنها: “الخوف”،  والخوف إذا اشتد صار مرضاً حقيقياً يحتاج علاجاً، فانتبهي أيتها الأم لهذا ولا تؤثري نفسك بالمنافع السريعة العاجلة فتسببي لأولادك من المخاوف والعقد النفسية ما قد يحملونها معهم طيلة حياتهم مسببة لهم الكثير من العذاب.

(وهي العبارة الثامنة في كتابي “عبارات خطيرة”)

* **

[1] المعارج: 23.

شاهد أيضاً

IMG_7571

لم أعد أستطيع السيطرة على ولدي!

سمعتها تردد هذه العبارة: “لم أعد أستطيع السيطرة على ولدي”، فحسبتها أماً  لمراهق مشاكس معتدٍّ ...