لم أعد أستطيع السيطرة على ولدي!

سمعتها تردد هذه العبارة: “لم أعد أستطيع السيطرة على ولدي”، فحسبتها أماً  لمراهق مشاكس معتدٍّ بنفسه يحاول إثبات شخصيته وإظهار نفسه، ولما حاورتها وسألتها لأحاول مساعدتها تبين أن ولدها هذا لم يتجاوز السابعة! ثم رأيته واقفاً خلف الباب يستمع شكوى أمه منه بمرح زائد وغبطة، لكنه كان يتصنع الجد وعدم الاكتراث، ثم لمحته وهو يلوح بيديه لأمه مهدداً متوعداً وكأنه يقول: “سترين المزيد من مشاكستي!”. وكانت الأم ترمقه بقلق وهي تتابع حديثها: “لا أدري ما أفعل معه، لقد خرج الأمر من يدي، ولم أعد أستطيع توجيه ولدي!”.

هذا المشهد يتكرر أمامنا على الدوام، فنرى أمهات عديدات يشتكين أطفالهن المتمردين والمشاكسين، وأضحينا نسمع كثيراً هذه العبارات: “هذا الجيل مختلف، إنه صعب ومتعِب!”، “هذا الجيل عنيد متمرد، لا يمكن السيطرة عليه”، “إنه جيل ذكي قوي لا يمكن ضبطه!”… أو تصف الأم ولدها بأنه “شيطان” أو “عفريت”… كناية عن تعذر قيادته. كل هذا يقال والأطفال جالسون معنا يسمعون ويشاهدون أمهم عاجزة عن ضبطهم! فيسعدون بأن الناس تتحدث عن بطولاتهم، ويفرحون بأنهم ملفتون للأنظار، وأنهم أضحوا حديث المجالس! فتأخذهم العزة بالإثم، ونكون وكأننا منحناهم القوة ودفعناهم إلى التحدي والاستمرار في هذا السلوك. وهنا تكمن الخطورة الأولى لأمثال هذه العبارات، فعبارة “لم أعد أستطيع السيطرة على ولدي” تبدو للطفل الصغير وكأنها مديح فيغتبط به ويميل إلى الاستزادة منه بكل طريقة ممكنة. وكيف لا يكون مديحاً وقد استطاع الصغير الذي لا حول له ولا قوة تعجيز والدته الكبيرة العاقلة ودفعها إلى الشكوى منه؟! فيصبح بعدها أكثر إزعاجاً وتمرداً ويبتدع ويبتكر أساليب جديدة للمشاغبة، ليلفت الأنظار ولينال المزيد من الإطراء.

– إن الطفل الصغير بحاجة فطرية إلى سلطة تضبطه وتوجهه، وانعدام السلطة الضابطة يسيء إلى الطفل إساءة بالغة ويقلقه ويوتره، ويحرمه من حقه في تربية سليمة ومستقرة ومتزنة، ويفوت عليه معرفة الخطأ من الصواب والحلال من الحرام… يقول د. سبوك: “إن الطفل يريد أباً قوياً. يريد أماً حازمة. لا يرضى لكبريائه بأن يكون والداه من النوع “الخنوع”. ويعرف الطفل أن قسوته على أحد والديه ليست هي الأسلوب السليم لمعاملة الابن لأبيه أو أمه؛ لذلك يتمنى في أعماقه أن يضع أحد الوالدين حداً لهذا السلوك غير السليم. لذلك أيضاً يتمادى في القسوة ليزيد من التنبيه بالغضب والعنف بأنه لابد أن يتحرك الأب أو الأم ليمنعاه من التمادي في السلوك الخطأ… فالطفل يحتاج من يقول له “لا” عند الخطأ شرط أن نقولها بالحنان وبالحزم”[1].

– ورغم حاجة الإنسان إلى سلطة ضابطة إلا أن التمرد طبع أصيل فيه، ويلاحظ المربون على الأولاد البالغين مزاحمتهم لوالديهم ومقارعتهم لهم مقارعة الند للند، فهم يتوقون إلى الحرية والتخلص من سلطة الآباء، وهذه العبارة “لم أعد أستطيع السيطرة على ولدي” تسهل على الطفل التمرد وتعينه على العصيان، وكأن أمه تقول له: “بإمكانك أن تتمرد وأن تفعل ما تشاء، فأنا ضعيفة وعاجزة عن تربيتك وتقويمك، ولا أستطيع أن أفعل شيئاً تجاه سلوكك فضلاً عن عقابك، وليست لي أي سلطة عليك، ولذلك سأتوقف عن إصدار الأوامر والنواهي، وسأكف عن توجيهك فأنت قوي ولا يمكن قيادك”. ومن الخطأ الفادح أن تعترف الأم بفشلها أمام طفلها، ومن الخطأ أن تدلّه على نقاط الضعف عندها، لأن هذا يدفع الطفل إلى استخدام ضعفها في تحقيق رغباته كلها. فالأطفال أذكى مما نتصور وهم يختبروننا حتى يميزوا قوتنا من ضعفنا ثم يتصرفوا على هذا الأساس ويسلكوا السلوك الذي يناسبنا ليحصلوا على كل ما يريدونه منا.

الحقيقة أن الأم -ولو ظنت في نفسها الضعف- تبقى أقوى من الطفل الصغير، وأنا أعرف بعض هؤلاء الأمهات اللاتي يدعين الضعف وقد لمست عندهن القوة والقدرة على التربية والتوجيه، ولكنهن عاطفيات رقيقات القلب، ولذلك آثرن تدليل أولادهن  على الحزم معهم، وفضلن الانصياع لرغباتهم على تعليمههم وتوجيههم، ورأين ترفيه الجيل وتنعيمه بدلاً من تعرفيه قسوة الحياة وصعوبتها… ولهذا كن ينتحلن سبباً يبررن به نكوصهن عن توجيه الجيل، ويبحثن عن علة يعلقن عليها تقاعسهن عن السيطرة على أولادهن، ليقنعن أنفسهن بأنهن غير مقصرات ولا مخطئات في تربيتهن، إنما الجيل هو المختلف وهو المتفرد. فهؤلاء الأمهات لما وجدن ذلك العذر سررن وقعدن عن توجيه الجيل.

وأسلوب “التبرير” ثم “الإسقاط” (اللذان تعلل بهما الأم سلوكها) أسلوبان معروفان في علم النفس، وهما من الحيل الدفاعية التي يفسر بها الإنسان أفعاله بحيث تبدو  صحيحة ومقبولة وبحيث ينسب عيوبه ونقائصه إلى الناس لا إلى نفسه، وبهذا يجنب الفرد نفسه ما قد يصيبها من عذاب الضمير أو الشعور بالإثم والتقصير، أو الشعور بالفشل.  فالأم هنا مقصرة وهي تنتحل أعذاراً لهذا التقصير لتدافع بها عن نفسها، ثم نراها تستعمل أسلوب الإسقاط فتنسب فشلها إلى تغير الجيل لا إلى أسلوبها الخاطئ في التعامل مع أبنائها، وهنا تكمن الخطورة البالغة إذ أقنعت الأمهات أنفسهن بأنهن عاجزات فتقاعسن عن توجيه النشء. فمَن سيربي الجيل إذن ويوجهه ويرشده إلى الخير؟ وإذا فشلت الأم في السيطرة على طفل صغير ضعيف، ولم تستطع توجيهه وإخضاعه لتربيتها، وعجزت عن فهمه وقيادته، فهل ستنجح في التعامل معه عندما يصبح مراهقاً مشاكساً؟! وكيف سيكون حال المجتمع بعد سنوات عندما سيصبح أفراده هؤلاء المتمردين الذين تستحيل السيطرة عليهم؟!

– وبتأثير هذه العبارة تجرأ الأبناء على الآباء فصاروا يعبرون عن استيائهم وبطرق غير مؤدبة، ويظهرون غضبهم وبطرق بشعة؛ فالطفل يرفس اللعب ويكسر الأواني ويضرب أخاه حتى يحصل على مبتغاه، مخوفاً والدته، وطامعاً باستجابتها السريعة لمطالبه. ثم تطور هذا التمرد وهذا العصيان حتى طال شخص الأم وهيبتها ومكانتها العالية، فإذا بالولد يصرخ في وجه أمه ويرفع صوته على صوتها، وينصرف عن برها وطاعتها عامداً متعمداً.

لقد زينت الأم بترديدها هذه العبارة السوء لأولادها، وحرضتهم على ترك الإحسان إليها، حتى كاد بعض الأمهات أن يوصلن أولادهن إلى العقوق الذي يورد صاحبه النار والعياذ بالله. أفرأيتن أما تحب وليدها ثم هي تقوده -بحبها هذا إياه- إلى النار؟!

(وهي العبارة السادسة في كتابي “عبارات خطيرة”)

*   *   *

[1] حديث إلى الأمهات مشاكل الآباء في تربية الأبناء 152.

شاهد أيضاً

IMG_4716

“إن أزعجتني سآتيك بالطبيب ليؤلمك بإبرته”

أسلوب التهديد من الأساليب التربوية المعروفة الناجحة، وكثيراً ما تحتاج الأمهات إلى تهديد الطفل وتخويفه ...