هل نعرف حقاً الحكمة من إباحة التعدد؟!

– يقولون أن الله أباح التعدد لأن الزوجة قد تكون عقيماً، وبإباحة التعدد يتزوج الرجل وينجب وتبقى هي في عصمته تنعم برابط الزوجية وتحظى بالنفقة. هذا ما يقولونه، فماذا لو كان الرجل هو العقيم؟ ماذا تفعل المرأة وماهو الحل؟ فالعقم كما نقرأ ازداد وانتشر، ونسبته بين الذكور أكبر منها بين الإناث، وأنا شخصياً أعرف عدداً من النساء اللاتي وقعن تحت رجال لا ينجبون أكثر مما أعرف من الرجال الذين ابتلوا بامرأة عقيم. فماذا يفعلن والأمومة في نفس المرأة أعمق من الأبوة في نفس الرجل؟ الرجل يتوق للإنجاب ليتفاخر بابنه وليحمله اسمه وليستعين به في عمله فهو زينة له، والمرأة تتوق للإنجاب لأن ذلك مغروس في كل ذرة من كيانها فلا تستطيع منه فكاكاً وهو حاجة فسيولوجية مهمة لها، وإن لم تشبع رغبتها تلك مرضت وأصابتها الكآبة. فلماذا يجعل الله للرجل مخرجاً واسعاً عريضاً مريحاً ولا يجعله للمرأة؟

وكيف تصبر المرأة على الزوج العقيم وهي لم تخلق لتعمل وتكسب وإنما وظيفتها الأساسية هي في الإنجاب؟ في حين خلق الرجل ليعمر الأرض فهو مشغول في عمله، وواجباته الكثيرة سوف تلهيه عن عقمه وقد تنسيه إياه، أما المرأة فلا تنسى أبداً لأن سعادتها في رعاية الأطفال. بل إن بعض النساء لا يحملن أي شهادة ولا يعرفن من أمور الحياة إلا الأمومة ولا يحسن مهنة غيرها فكيف ستمضي عليهن الأيام وهن محرومات منها بسبب زوج عقيم لا غير؟

– ويقولون أبيح التعدد لأن الزوجة قد تكون مريضة مرضاً مزمناً! وماذا عن الأزواج ألا يمرضون؟ بل إن ظروف العمل تصيب بعضهم بعاهات دائمة وتقعدهم عن العمل، وأثبت العلم أن الرجال يصابون بالأمراض المميتة أكثر من النساء، وفي عمر مبكر، فيتباطأ أداؤهم وقد يعجزون عن القيام بوظائفهم وإعالة أسرهم. والمرأة تصبر عادة على مثل هذا الزوج وتكون وفية مخلصة، فتتحمل وتعمل خادمة له وتمرضه وتعتني به كأحسن ما يكون، وفوقها تعمل خارجاً لتنفق على البيت مع أن الإنفاق ليس واجباً عليها، فلم يكون جزاؤها (إن مرضت هي) أن يتزوج عليها؟

– وقالوا: “الزوج قد يكره زوجته ويشتد كرهه لها فيحق له التعدد”!؟ ولا أدري كيف قالوا بذلك والله لم يقله؟! بل هذا القول يخالف ما جاء في الآية التي لامت الرجال على كرههم لنسائهم وأشارت عليهم بالصبر عليهن لأن فيهن خيراً كثيراً، ولم تشر الآية إلى أي زواج آخر، وإنما أَمرت بالعشرة بالمعروف، والزواج الثاني فيه إيذاء لمشاعر الزوجة الأمر الذي يتنافى مع حسن العشرة.

وسياق الآية يدل على أن الرجال قادرون على الصبر والاحتمال، وبإمكانهم الحد من كرههم لزوجاتهم بالتفكير الإيجابي، فلماذا نشجعهم على الزواج وهجر البيت وترك الأطفال لمثل هذا السبب بعد أن أمرهم الله بالصبر؟ وكل إنسان يملك القدرة على التكيف مع ما يسيئه، والدورات التي تعلم الناس التأقلم والرضا أصبحت اليوم منتشرة وهي فعالة ومفيدة، وكما يأتي الحلم بالتحلم فإن الحب يأتي بالتحبب.

وقال عمر بن الخطاب لمن كره زوجته: وهل كل البيوت يبنى على الحب؟ والواقع أن كثيراً من البيوتات قامت واستمرت على المودة والمرحمة وحدهما، أي بلا حب ولا تفاهم. وبعضها يقيمه الزوجان من أجل أطفالهما لا غير؛ وكثير من الأزواج يتصبرون ويتحملون المشاق ويتجرعون الغصص لأنهم يعرفون أن الفراق (أو الزواج الثاني) سوف يظلم الصغار ويحرمهم من حقوقهم.

ونعود لما قالوه (أن من حق الرجل الكاره لزوجته أن يعدد) وأسألكم بالله هل تتوقعون من مثل هذا أن يعدل بين زوجته القديمة والأخرى الجديدة؟ وهل تتوقعون أن يعاشرها ويكرمها ويزورها وهو كاره لها؟ إنه لن يفعل وقد توفر بين يديه زوجة يحبها ويسعد بقربها!

وإن كانت الزوجة القديمة شابة فماذا تفعل وهي محرومة من حقها في زوجها؟ إن الحالة هذه لا تحل بالتعدد وإنما بالطلاق! والأرحم لها لو طلقها وخصص لها معاشاً شهرياً على سبيل الصدقة، فهذا أهون من أن يمسكها على هون، ويزورها على مضض. ولعل الله يكرم تلك المسكينة بزوج يحبها.

وماذا تفعل الزوجة إن كرهت هي زوجها؟ وهذا يحدث أكثر لأن فرصة البنت في أن تقع تحت رجل لا تطيقه أكبر بكثير من فرصة الرجل، فالرجل -عادة- هو الذي يختار عروسه فالأصل ألا يكرهها وإن كرهها كان عليه أن يتحمل نتيجة اختياره، في حين ما زالت البنت تجبر على الزواج بمن لا تريده وبمن تمقته، وما زال الآباء يبيعون بناتهم للعجوز ولابن العم وغيرهما طمعاً بالجاه أو المال.

– وقالوا قد يكون الزوج كثير الأسفار فشرع له التعدد لهذا، وهذه والله من الغرائب؟ فالزوجة لها حقوق على زوجها ولا يجوز له أن يتركها ويذهب، والحق ليس في الفراش فقط وإنما في رعاية الأولاد والنفقة… فواجبه أن يسرع في العودة إليها ليقوم بحقوقها، والزواج الآخر يجعله يطيل المقام في البلد البعيد ويتأخر عنها. ثم إن هذا الحل ينفع الزوج الذي يتردد على بلدين أو ثلاثة بانتظام (وهؤلاء قلة) فيكون له في كل منها زوجة تعفه وعائلة تؤنس وحشته، ولكن هذا الحل لا يناسب الذين تقتضي ظروف عملهم السفر باستمرار تارة للشرق وتارة الغرب (وهؤلاء هم الأكثرية) فهل يتزوجون في كل بلد كما فعل ابن بطوطة ثم يطلقون عندما يرتحلون؟! أم يهجرون؟

– ويقولون بسبب زيادة عدد النساء وقلة أعداد الرجال سمح بالتعدد، حلاً لمشكلة العنوسة التي تتفاقم يوماً بعد يوم. ولكن الإسلام ترك الباب مفتوحاً للرجل فلم يلزمه بالاقتران بالمسلمة ولم يحدد له سناً للزواج، فلما قرر الزوج أن يعدد لم يخطب العانس المسكينة الوحيدة، ولم يفكر بالمطلقة الحزينة ولا بالأرملة التي تحتاج لعائل، وإنما ذهب فتزوج الكتابية، أو تزوج الصغيرة الجميلة، التي يرغب بمثلها كل شاب والتي ما تزال فرصتها في الزواج كبيرة، فهل ساهم هذا في حل مشكلة العنوسة؟

ويحضرني هنا قول بعض الناس بأن التعدد سنة فهي الأفضل والأتقى لكل مسلم! ولا أدري إن كانوا يقولونه على سبيل الفكاهة أم أنهم جادين في قولهم، ولهؤلاء نقول: “الاقتداء بأفعال النبي الكريم عمل طيب وأجره عظيم، ولكن من منا يتبعه في كل شيء؟! ومن استطاع اتباعه في كل السنن (على الأقل المؤكدة منها) ولم يبق له إلا التعدد فليعدد. ولكن بعض الناس يتبعون من سنته ما يوافق هواهم ثم يقولون هو سنة وقربة إلى الله!

ومن أراد اتباعه في التعدد فليحذو حذوه وليتزوج الكبيرات اللاتي سبق لهن الزواج، وليعيلهن وليربي أبناءهن من غيره من الرجال، وليتق الله وليعدل… عندها يكون متبعاً للسنة.

– ويقولون التعدد ضروري لإكثار النسل، وهل نحن قليل اليوم؟ لا، وكلنا نعلم أننا غثاء كغثاء السيل ومشكلتنا هي في الكيف لا في الكم (ولقد انتصر النبي وأصحابه وهم قليل، ونحن ربع أو خمس سكان العالم فماذا فعلنا؟).

ثم إن هؤلاء المعددون يخشون العيلة ويشترون لنسائهم موانع الحمل مكتفين بالقليل من الأولاد، فكيف سيكثرون النسل؟

– ويقولون عزوف النساء عن المعاشرة ورغبة الرجل الزائدة فيها من الأسباب التي حللت التعدد، ولكن الله أمرنا أن نأخذ من كل شيء بقدر وألا نستجيب لكل رغباتنا وأن نصبر ونحتسب، وقد منع النبي ص علياً من التزوج على ابنته فاطمة، وأمر كل عاجز عن الزواج بالصوم.

ثم إن التمنع طبع في المرأة وقد يعاني الزوج مع الزوجة الثانية ما كان يعانيه مع الأولى فتتهرب من المعاشرة ولا تشبع حاجته، وكثيراً ما تأتي الدورة الشهرية للزوجات في نفس الوقت فيفوت على الزوج ما كان يرجوه من التعدد.

– ومن عجائب تعليلاتهم تشبيه الإنسان بالحيوان حيث يقولون: “التعدد سنة في الحيوان ونحن على شاكلته”!! وهذا امتهان للإنسان الذي كرمه الله على سائر المخلوقات وفضله بأشياء كثيرة. ثم وفي مواضع أخرى يستنكرون ويستكبرون أشد الاستكبار أن يتصرف الإنسان كالبهائم فيتعرى أو يقتل… وهذا تناقض؛ فتارة يتقبلون أننا نشبه البهائم ويقنعوننا بذلك وتارة ينفروننا منهم! أي حسب الحاجة والمصلحة وهذا يفقد المصداقية. وإن كنا نقر بأن بين المخلوقات أوجه تشابه ولكن الإنسان لا يقاس على الحيوان إلا في مواضع الذم لينفر ويتجه نحو الأسمى.

*   *   *

إن ما نخلص إليه من ذلك أن الله سبحانه حين أباح التعدد لم يبين لنا الحكمة منه، وإنما اكتفى بتحديده بأربع وسكت عن الشرح والتفصيل، فتطوع العلماء والفقهاء وبعض الناس لتعليل السبب من وراء إباحته فجاؤوا بما فندته آنفاً من أسباب.. واسمحوا لي أن أقول لكم -مع تقديري الكبير لجهودهم- أنهم جميعاً لم يأتوا بحجة واحدة مقنعة، ولم يستندوا على دليل ثابت من الأثر، وكل ما قالوه وعللوا به التعدد ليس خاصاً بالرجل لينفرد وحده بالحكم وإنما تشاركه فيه المرأة، فكانت تعليلاتهم مثيرة للحفيظة أكثر من كونها أدلة مقنعة، ولو أنهم تركوا الأمر معلقاً بلا تعليل كما تركه الله لكان أحسن للعامة وأشد تثبيتاً لقلوبهم، وحسبنا أننا جميعاً مسلمون لنستسلم لأمر الله ونقبل بكل ما جاء في كتابه من أحكام.

أو لو أنهم سألوا: “ما الحكمة من منع المرأة من تعدد الأزواج؟” لبان الأمر، والسبب فيه واضح ويعرفه كل الناس؛ وهو أن الإسلام حرص على نقاوة الأنساب، وحفظ الأعراض، وشدد على ذلك لئلا يكون تعد أو انتهاك للحرمات، ولكيلا يحدث لبس في الميراث وفي بعض الأحكام الشرعية… فحرم الزنا واعتبره من أكبر الكبائر، وألغى التبني، ومنع أشياء أخرى مشابهة منها التعدد للمرأة، وما شرعت العدة إلا لبراءة الأرحام (وإن كان بعض الفقهاء قالوا أنها لعظم حق الزوجية وليس قولهم صحيحاً على الإطلاق، وإلا لما انتهت عدة الحامل بوضع حملها ولو وضعته بعد لحظات من وفاة زوجها).

هذا عدا أن التعدد للمرأة يربك النفقة والقوامة وسائر الأحكام التي وضعت لتنظيم الأسرة.

وبالإضافة لما سبق أنا أرى -إن كنا ولا بد باحثين عن السبب- أن الحكمة في التعدد تكمن في سببين: “الأول- أن الله سبحانه حين خلق الخلق وضع لهم قواعد عامة روعيت فيها مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، وقدم فيها خير البشرية على المشاعر والعواطف، فكانت القوانين والحرام والحلال لحساب ذلك العالم الكبير وليس لحساب أحد الجنسين. ولكن ذلك يفوتنا أحياناً فنظن أنها محاباة لطرف على طرف.

ثانياً- الله لا يحب مساءة إمائه المؤمنات، ولكنه خلق الدنيا لتكون دار ابتلاء وامتحان فلا بد فيها من المكاره، وما التعدد إلا واحداً من الامتحانات الكثيرة التي وضعها الله ليختبر الناس بها، والمرأة والرجل مبتلان به معاً (وإن كان ما يبدو لنا ظاهراً أن التعدد متعة للرجل، والمرأة وحدها المبتلاة به)، وكلاهما معرض للنجاح أو الرسوب في هذا الامتحان الصعب، هي بالصبر وهو بالعدل، وامتحان المرأة بالتعدد أهون من امتحان الرجل به فما تملك المرأة إلا الصبر؟ ولكن الرجل لن يستطيع العدل مهما حرص، وكثيرون يميلون فيسقطون في الامتحان”.

والله أعلم إن كان ما رأيته صحيحاً أم أن الحكمة من التعدد ما تزال خافيةً علينا.

شاهد أيضاً

10

هذر فكري

ونحن صغار كلمونا كثيراً عن عام ألفين كيف سيكون رائعاً ومختلفاً، وكم سيحمل إلينا من ...

8 تعليقات

  1. ابتسام طباع

    جزاك الله كل خير ، حقا كلامك العادل الصادق يخفف آلاما ما كانت كل التبريرات الفقهية لتخففها بل كما قلت كانت تزيد الطين بلة . فما أجمل من أن تصبر المرأة وهي تعلم أن هذا محض ابتلاء من الله .

  2. التعدد شيء ايجابي وهل حل حقبقي وواقعي لمشكلة العنوسة التي هي بحق من اخطر مشاكل المجتمع والاسر التي يوجد فيها تعدد هي اسر سعيدة

  3. ملك الجنان

    نرى أن الغاية من هذا المقال المبني على العلم والمنطق والعقل والقياس والدليل كانت لنقض كل وجهات نظر السابقين في موضوع العدد لأن ما جاء من تعليل في آخر المقال لا يتجاوز ما سبقه فالسبب الأول غير واضح أو مفهوم والآخر عام يجوز إسقاطه على كل أحوال الناس فالابتلاء وارد في التوحيد كما في الأولاد والعقم والغنى والفقر. .
    فإذا أخذنا كل ما ورد من تفنيد لأقوال الناس و ذكر أن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد منع عليا كرم الله وجهه من التعدد. .
    فنميل إلى الاعتقاد بأن الكاتبة الكريمة تتخذ موقفا وتتمترس بعلمها و عقلها وراء الحد أو المنع على استحياء وهنا نخشى أن يكون لمشاعر الأنثى تدخل فيما يجب البحث عنه بشكل موضوعي مجرد..
    مجرد رأي

    • تحليل عميق، يدل على قراءة واعية، أشكرك عليه، ولكن تأكد أنه لا يوجد أي حجة خاصة بالرجل ولا توجد لدى المرأة، ولهذا حجتهم لم تقنعنا نحن النساء، بل زادتنا حيرة وتساؤلاً، وأشعرتنا بتحيز الرجال! وإن “الإيمان بحكمة الله” هو السبب الوحيد المقنع. وليتهم تركونا عليها.

  4. انا انحاز لهذا الرأي

    https://www.youtube.com/watch?v=DjQ6UOIueJo

    دمتم بود

  5. غير معروف

    رائعة جزاك الله خيرا

  6. قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) .
    حال المؤمن الاستسلام المطلق لأحكام الشرع الحنيف عرف الحكمة أو جهلها , مع ضرورة التأكيد على أنه من أسباب فلاح المؤمن أيمانه بالغيب .

  7. أعتقد عندما أباح الله تعالى للرجل التعدد في النساء كان السبب في ذلك مرتبط بطبيعة النفس البشرية للرجل ، والله أعلم بها
    وأعتقد ايضا أن من عدل الله أنه سمح للمرأة بذلك ولو على وجه مختلف يتوافق مع بنيتها الفزيولوجية وذلك بالطلاق والتزوج برجل اخر اان لم تكن تريد البقاء مع زوجها الاول وذلك شيء اشبه بتعدد الأزواج ولكن بطريقة اسلامية
    ولم يجبر الأسلام قط أحد الطرفين للبقاء مع االآخر كما في بعض الديانات فيطر أصحابها للخداع والخيانة والزنا …….. والله أعلم
    مجرد رأي